التحديث أمر محمود والتجديد أمر مطلوب والطموح أمر ملح ينشده الجادون ويسعى له القادة، وفلسفة التطوير ليست بالسهولة التي نتصورها لكنها في الغالب ترتكز على أحد أمرين إما أن يتم التركيز على المنتج والتخصص الرئيس وبالتالي الإبداع والتميز بتطوير ذلك المنتج، بزيادة الحجم والجودة والانتشار وتقليص التكلفة والهدر وغيرها من معايير نجاح التطوير الموضوعي، أو في الجانب الآخر يمكن التطوير عبر البحث عن منتج جديد وتخصص جديد يختلف عن التخصص الرئيس. لكل توجه مبرراته، فالبعض يرى أن التركيز على تخصص أو منتج واحد أو مجال واحد هو الأفضل حتى تتراكم الخبرات وتستثمر، بل ويرون أن التوجه إلى منتج وتخصص جديد دليل صعوبة أو فشل يعتري الأداء في المنتج الاساسي وبأن المعنيين بذلك الفشل أو الخوف من الفشل يلجأون للعمل في تخصص أو مجال جديد هروباً من الفشل وليسوا يضمنون النجاح في التخصص الجديد، بقدر مايغامرون بحثاً عن نجاحات قصيرة. البعض ينطلق من مفهوم المنافسة وهذه بالمثل يحكمها أمران، إما أن تنافس بتكرار إنتاج مايفعله الآخرون وأنت هنا تغامر بولوج مجال أو تخصص سبقك فيه المنافسون أو أن تنافس بتميز منتجك ومجالك وخطك الإنتاجي المختلف عن المنافسين. فلسفة التحديث والمنافسة هذه تحتاج فهماً وتأملاً ليس فقط من لدن المؤسسات والهيئات الحديثة الإنشاء بل حتى تلك التي تحاول تغيير جلدها، لأن عدم التفكير بعمق في هذه المسائل الإستراتيجية والانزلاق وراء النظرات الآنية المرتكزة على جوانب تحوي في داخلها الفكر الانفعالي أوالسطحي الذي يقود إلى اتخاذ قرارات غير متعمقة يجد بعض القادة أنفسهم فرحين ببعض النجاحات المزيفة، أحياناً الشخصية وليس المؤسسية، ويتحول مجهودهم من تطوير التخصص الرئيسي إلى جهد مضاعف في محاولة إجادة ثم تطوير ثم المنافسة في التخصص والمنتج الجديد. الظاهرة موجودة بشكل ملحوظ، وقد نطرح أمثلة لها في المستقبل، ليس في القطاع الخاص الذي قد يكون لديه حساباته الربحية ولكن حتى في بعض القطاعات الحكومية التي امتطى صهوة إدارتها قيادات ترى بأن النجاح تقوده كثرة المشاريع والخطوط الإنتاجية التي يعلنون عنها كل يوم وليس الحفاظ على التميز النوعي المستدام والمتكرر. لدينا مؤسسات تعتقد أنها ستنجح في بناء هوية جديدة متعددة التخصصات والمنتجات وترتكز على مبررات عامة مثل رغبتها في خدمة المجتمع الذي يحتاج إلى التخصص والمنتج الجديد، رغم أن المجتمع لم يطلب أكثر من خدمة متميزة في التخصص المنتج الرئيسي. بل إن الواعين في المجتمع يقلقهم تعريض بعض المؤسسات إلى عدم استقرار بسبب ولوجها مجالات جديدة تحتاج خبرات ومجهودات مختلفة وكأن الأمر سباق لا تحكمه ضوابط.