الأطباء النفسيون * الدكتور الفاضل إبراهيم الخضير، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونشكر جريدة "الرياض" على هذه الصفحات المتميّزة طبياً. أنا رجل تجاوز الخمسين من العمر، وقد درست حتى أنهيت الدكتوراه من احدى الجامعات الغربية المعروفة، وعدت ومارست عملي في احدى الجامعات هنا. حقيقةً كنتُ تواقاً ومُندفعاً للعمل في المجال الأكاديمي. سارت بي الأمور في بداية الأمر بصورة جيدة، وزوجتي وأبنائي بخير ومتفوقون في دراستهم. قبل سنوات بدأت أشعر بتغيّر مزاجي، حيث أصبحتُ كثير السرحان وفقدت قدرتي على التركيز، ومزاجي أصبح معظم الوقت مُكتئباً، وفقدت مُتعتي في الأشياء التي كنتُ استمتع بها قبل ذلك مثل القراءة ومشاهدة الأفلام والسفر. كذلك فقدت رغبتي الجنسية وكذلك فقدت الشهية للطعام وفقدت وزناً بشكلٍ ملحوظ. أصبحت أتغيّب عن العمل وأشعر بعبءء كبير في أدائي لواجباتي الأكاديمية. أخيراً قررت ترك العمل في الجامعة. ذهبت إلى طبيب نفسي، دفعت 300ريال للطبيب في الزيارة الأولى، ولكن صُدمت عندما لم يُعطني من الوقت سوى دقائق وكتب لي دواء سيروكسات، ولكن لم يتكلم معي ولم يشرح لي ماهو المرض الذي أعُاني منه، ولماذا وصف لي هذا الدواء، وماهية الدواء .خرجت مُحبطاً من هذا التعامل. أخيراً بعد فترة قررت الذهاب إلى لندن للعلاج من الإكتئاب، بعد أن أخذت أسم طبيب نفسي معروف. ودفعت 105جنيهات أسترلينية، ولكن أمضى معي الطبيب الاستشاري البريطاني أكثر من ساعة وأجاب على جميع أسئلتي ووصف لي دواء فافرين وشرح لماذا وصف لي هذا الدواء وماهي أعراضه الجانبية وأعطاني رقم تليفوناته في لندن، عندما علم بأني حضرت من السعودية. واتصل به عندما أريد الاستفسار عن أي مُشكلة تواجهني. تحسّنت حالتي بشكلٍ جيد وعملت في شركة في القطاع الخاص بمرتبٍ جيد، وتغيّرت حياتي بشكلٍ أفضل. لكن بعد فترة عام من استخدام العلاج توقفت تدريجياً عن العلاج، ولكن بعد فترة شعرت بأن الأمور عادت مرةً اخرى، وأن أعراض الاكتئاب بدأت تنتابني واتصلت بطبيبي المعالج في لندن فطلب مني العودة مرةً اخرى، وعرض عليّ رؤيته مرةً اخرى وفعلت ذهبت إلى لندن لروية طبيبي المعالج وحدث ما حدث في المرة الماضية لكن هذه المرة أمضى معي وقتا أكثر ، حيث أمضينا حوالي الساعتين، شرح لي فيها عن كل شيء عن مرضي ولماذا أعادني إلى الأدوية المضادة للاكتئاب. تحسنّت حالتي مع الدواء الجديد الذي وصفه لي. سؤالي، لماذا يتعامل الأطباء النفسيون في بلدنا بصورة ليست مهنية - هذا من وجهة نظري - فتجربتي مع طبيب واحد، ولكن زملاء آخرين قالوا بأن العلاج في القطاع الخاص بالنسبة للأمراض النفسية هو ماحدث معي. لماذا لا يقضي الطبيب وقتاً كما يفعل الأطباء في لندن وبقية الدول المتقدمة، حيث يتعامل الطبيب النفسي مع مريضه بمهنية عالية، وينصت له - والتفريغ عند الطبيب النفسي أمرٌ ذو أهمية بالغة - ويشرح له طبيعة المرض وكذلك طبيعة الأدوية، هل هناك ما يمنع ذلك؟ د.ي ؟ الأخ العزيز، نشرت رسالتك بكل ما تحمله من انتقادات لممارسة الطب النفسي في القطاع الخاص، حيث الطبيب النفسي لا يعطي وقتاً كافياً لمريضه لكي يُفرّغ أو يتحدث بما يُعاني منه. أتفق معك بأن بعض الأطباء النفسيين في القطاع الخاص لا يعطون المريض أكثر من بضع دقائق أو وقت قصير، وقد تحدّثت مع أحد الزملاء العاملين في القطاع الخاص عن هذا الأمر بعد أن أرسلت له مريضة، فشكت لي بأن الطبيب لم يُعطها من الوقت سوى بضع دقائق. عندما تحدّثت مع زميلي الطبيب النفسي الذي يعمل في القطاع الخاص قال لي بأنه من الصعب إعطاء وقتاً طويلاً للمريض كما يحدث في الخارج، مثل 50دقيقة أو ساعة في أول مقابلة، وقال لي بأنه لو عمل ذلك فإنه لن يستطيع رؤية أكثر من خمسة أو ستة مرضى خلال فترة عمله وهذا يجعله غير قادر على دفع ايجار العيادة، خلافاً لأجور الموظفين ومصاريف الكهرباء والماء والهاتف والصيانة وبقية مصاريف العيادة، لذلك فإن الطبيب النفسي في القطاع الخاص يرى عشرات المرضى، وهناك أطباء مشهورون ولا يعطون المريض أكثر من ثلاث دقائق فقط ومقابل ذلك يدفع الطبيب 300ريال. هناك أمر له وجهان : الأمر الأول هو حقيقة تقصير الأطباء النفسيين في القطاع الخاص باعطاء المريض الوقت الكافي ليقول ما عنده، ويُفترض أن يُعطي الطبيب المريض على الأقل 50دقيقة في الجلسة الأولى أو ساعة، الأمر الآخر هو أن المرضى النفسيين يرفضون ولا يُقّدرون وقت الطبيب النفسي، فبرغم مثلاً أنهم على استعداد لدفع عشرات الآلاف من الريالات لعملية تجميل لا تستغرق ساعة، واحدة، فإنهم يستكثرون على طبيب نفسي، استشاري لو طلب 500ريال مقابل ساعة في العلاج. وأرى أن من حق المريض أن يحصل على وقتٍ كافٍ لكن، يجب على المريض أيضاً أن يكون مُنصفاً ومقدراً لمجهود الطبيب النفسي ووقته. في بريطانيا يعامل الطبيب النفسي مريضه بكل احترام واعطائه وقتاً كافياً لكنه يُحاسبه بالساعة، فبعض الاستشاريين من الأطباء المعروفين قيمة الساعة عنده للعلاج 500جنيه استرليني، وفي أول جلسة قد يتطّلب أن يقضي المريض ما يُقارب الساعتين من الوقت لمعرفة كل أو أكثر مشاكل المريض. إذاً الخطأ مشُترك، فالمريض يُريد من الطبيب وقتاً طويلاً في العلاج النفسي لكنه يرفض أن يدفع له مقابلا مجزيا وهو الأجر الحقيقي للطبيب النفسي إذا أراد المريض أن يقضي وقتاً طويلاً مع طبيبه. وكما ذكرت فإن الأطباء الآخرين مثل أطباء جراحة التجميل أو أطباء الجلدية الذين يتقاضون عشرات الآلاف مقابل ساعة علاج ويدفعها المريض بطيب خاطر ويرى أن هذا مقابل مقبول مقابل العلاج عند طبيب جراحة التجميل وطبيب الجلدية لعمليات لا تستغرق ساعة، بينما يتكاثر المريض أن يدفع مثلاً ستمائة أو حتى الف ريال مقابل ساعة للعلاج عند طبيب استشاري نفسي، والنتيجة أن الطبيب مضطر لأن يعطي المريض النفسي بضع دقائق حتى يستطيع أن يوفّر المبلغ المطلوب لدفع تكاليف العيادة. أرى أن يكون هناك مناقشة بين المريض النفسي والطبيب قبل بدء العلاج، وليس ذلك عيباً وليس فيه ما يقلل من قيمة الطبيب النفسي ولكن الخطأ أن يستمر الأمر على ماهو عليه، فهناك أطباء لا يعطون المريض سوى ثلاث أو خمس دقائق على أكثر حد ولكنهم مضطرون لذلك. والنتيجة بأنه لا المريض راضٍ عن الوقت والعلاج الذي حصل عليه ولا الطبيب راضٍ عما فعل ولكنه مضطر لذلك.