محمد بن عبدالعزيز يبحث تعزيز ثقافة الامتياز التجاري في جازان    تنفيذ 10 آلاف عملية تدقيق رقابي للوحات الإعلانية والمكاتب العقارية    فيصل بن خالد يطّلع على التقرير الختامي للقاءات الحدود الشمالية    استعراض أعمال مجلس الجمعيات الأهلية أمام عبدالعزيز بن سعد    السودان: مسيّرة تقصف مستودعاً لبرنامج الأغذية العالمي    السلمي يستقبل وفد لجنة الأخوة الأردنية-السعودية    غارات جوية ومدفعية على مناطق متفرقة ونسف منازل في خان يونس وغزة    «الرابطة» : كافة مبالغ صفقة بنزيما من موارد الهلال    سيمينيو يقود مانشستر سيتي للفوز بثلاثية على فولهام    بيرنلي ينعش آماله في البقاء بالدوري الإنجليزي بثلاثية في كريستال بالاس    الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم التي أطلقها ولي العهد تحصد جائزة مكة للتميّز في فرع التميّز الإنساني    خادم الحرمين يدعو لإقامة صلاة الاستسقاء.. اليوم    أمير نجران يتسلّم تقرير أعمال مركز إدارة الأزمات والكوارث    الإعلام المتوازن    أمير القصيم يستقبل ابن حميد.. ويكرم الفائزين بجائزة صناعة المحتوى    «الرياض» تعزز شراكاتها الدولية    أمير الشرقية يدشن مسابقة "تعلّم" لحفظ القرآن وتفسيره    12,500 جولة رقابية على المساجد في الحدود الشمالية    نائب أمير مكة يطلق مشروعات صحية بمليار ريال    الجلاجل: اكتمال انتقال التجمعات الصحية إلى «الصحة القابضة» 2027    جراحة ال«8» ساعات تضع حداً لمعاناة «ستيني» مع ورم ضخم بالغدة النخامية بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية في جدة    تحت شعار "الإعلام وأثره في بناء القيم" بارق تشهد انطلاق ملتقاها الإعلامي الأول    أمير منطقة جازان يرعى محاضرة "الإمام" احتفاءً بيوم التأسيس    تطوير تعليم الموهوبين    12.6 مليون زائر يعززون نمو قطاع الترفيه    دعم سعودي للكهرباء في اليمن والسودان يقابله تمويل إماراتي للدعم السريع    الحمدان يقود النصر للفوز على أركاداغ ويخطف جائزة رجل المباراة    الجهاز الفني للأخضر يجتمع بلاعبي الهلال المرشحين استعدادًا لمونديال 2026    ولي عهد بريطانيا يزور مواقع تاريخية وطبيعية وثقافية في العُلا    ورشة عمل بعسير لتعزيز ضبط مخالفات الزراعة والمياه    تكثيف الرقابة لرصد تسربات المياه    27 جمعية صحية تنافس تجمع جازان    وزير الخارجية يتلقى رسالة خطية من نظيره الروسي    أمير جازان يستقبل مفوض الإفتاء لمنطقتي جازان وعسير    اختيار عام 2029 عاما ثقافيا سعوديا بريطانيا    أوبك تتوقع انخفاض الطلب العالمي على النفط    رئيس مركز قوز الجعافرة يتفقد جمعية البر الخيرية ويطّلع على تنظيم "السوق الشعبي"    وزير الثقافة يصطحب ولي عهد بريطانيا في جولة داخل محمية شرعان والبلدة القديمة في العلا    أمير منطقة جازان يستقبل المدير التنفيذي للمشاريع الخاصة بهيئة تطوير الدرعية    أمير منطقة جازان يستقبل سفير الاتحاد الأوروبي لدى المملكة    الباحة: ضبط 3 وافدين لمخالفتهم نظام مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص    القيادة تهنئ الرئيس الإيراني بذكرى اليوم الوطني لبلاده    النظرة الشرعية.. القبول والارتياح    سقف الطموح والأمنيات    في الجولة ال 26 من الدوري الإنجليزي.. مانشستر سيتي يستضيف فولهام.. وليفربول يواجه سندرلاند    إيران تحذر من تأثير زيارة نتنياهو على المفاوضات النووية.. وساطة إقليمية لاحتواء التصعيد بين طهران وواشنطن    نقل آلاف من معتقلي «داعش» إلى العراق.. تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا    60 فرصة تطوعية لتهيئة مساجد مكة    الجيش اللبناني يواصل حصر السلاح.. وسينتكوم: تفكيك أنفاق حزب الله خطوة محورية لاستقرار لبنان    المملكة.. رائد عالمي في سلامة الذكاء الاصطناعي    البيان الختامي لمؤتمر العُلا: تمكين الاستثمارات ونمو الأسواق الناشئة    أقر لجنة متابعة حظر مادة الأسبستوس.. مجلس الوزراء: الموافقة على الترتيبات التنظيمية لمركز «الخط العربي»    ضمن جهودها الاستباقية.. الغذاء والدواء: منع دخول 1,671 طناً من المنتجات الملوثة    فاليه العزاء بين التنظيم والجدل الاجتماعي    تسارع ذوبان جليد القيامة    خادم الحرمين يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء المملكة يوم الخميس    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس جمعية "قادر" بالمنطقة    «الفطرية»: إطلاق 10 آلاف كائن ببرامج إعادة التوطين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طريق "غوغان" الضال إلى الفردوس
نشر في الرياض يوم 21 - 02 - 2008

المترجم الناشط صالح علماني سارع إلى ترجمة رواية ماريو بارغاس يوسا "شيطنات الطفلة الخبيثة" (دار المدى)، على عهده في ملاحقة هذا الكاتب الإسباني من البيرو. نقلها إلى العربية على عجل، حتى قبل أن تخرج علينا الترجمة الإنكليزية هنا في لندن. على أني انتبهت إلى أنه أهمل رواية له أسبق من هذه وأشد عمقاً وتأثيراً، هي "الطريق إلى الفردوس" (كما وردت في الإنكليزية، بالرغم من أن العنوان الإسباني هو "الفردوس في الركن الآخر")، أهملها ربما بفعل سياقها النثري الذي يقف بين التأمل والسرد، وهو نثر بطيء الحركة أكثر مشقة في الترجمة من النثر السردي المتسارع، كما هو في "شيطنات الطفلة الخبيثة". توقفات التأمل داخل الرواية شائعة، رأيناها بارزة لدى كاتب مثل كونديرا. ولقد جاءت في "الطريق الى الفردوس" متطابقة مع موضوعها بصورة تُشبع حاجة محب الفن التشكيلي بالتأكيد، لأنها تتناول تجربة الرسام الفرنسي "غوغان" في تراجيديا البحث عن يوتوبياه في جزر تاهيتي البعيدة، متساوقة مع تجربة جدته (فلورا، المعروفة تاريخياً في منتصف القرن التاسع عشر) التي سبقته إلى البحث ذاته ولكن في حقل تحرير المرأة والطبقة المسحوقة من نير فقرها ومهانتها.
كان غوغان قد أنجز مهمة قفزته التحديثية في الفن، داخل الطبقة الوسطى المثقلة بأعراف التحضر البارد الميت، وشرع الآن في مهمته الثانية في تحرير "أناه" وفرديته منها. ولكن هذا النزوع لم يخلُ من ضيق أفق وأنانية، حين انطوى على معنى التجرد من الإحساس بالمسؤولية إزاء الآخر. لقد ترك غوغان وراءه، حين شد الرحال إلى فردوسه المأمول، زوجة وخمسة أطفال معدمين. ثم ارتبط هناك في تاهيتي بفتاة صغيرة بالرغم من إصابته بمرض السفلس المميت.
وكما فعل يوسا في "سيرته الذاتية" في عرض مرحلتين تاريخيتين بصورة متساوقة، كذلك فعل في هذه الرواية في فصول متناوبة، حيث تناول حكاية بطل آخر، هو جدة غوغان "فلورا". كانت ابنة امرأة حرمها القانون هي وطفلتها من إرث زوجها، وتركها معدمة. اضطرت أن تزوج صغيرتها من رجل بالغ القسوة. لم تحتمل الصغيرة فلورا فهربت هي وأبناؤها الثلاث إلى حيث تجهل. لاحقها الزوج والقانون ولم يستطيعا أن يحطما قوة الإرادة، التي نشأت وصارت تنمو في داخلها باتجاه لا تحرير نفسها فقط، بل تحرير المرأة، وتحرير المستعبدين في كل مكان. وكان سعيها معززاً بمن سبقوها من الحالمين، من أمثال "جمعية سينت سيمون"، المنتظرين الأم، أو المرأة المخلص. أو جماعة تشارلس فوريير التي حملت راية العدالة القادمة، مؤسسة "كتائبيات" على هيئة مستعمرات تعاونية، تضم كل واحدة مئة عائلة، تتقاسم بينها القوت والجنس حد الاكتفاء.
طبعاً، لم تنته فلورا إلى تحقيق الحلم. ولا انتهى غوغان إلى تحقيق حلمه هو الآخر. لقد أنهكته الحاجةُ، كما أنهكه المرض الذي دب فيه عضواً فعضوا حتى أنهاه. وهنا، إلى جانب تساوق الحدثين مع بعض، يتساوقان سوية مع موقف المؤلف العقلاني من اليوتوبيا، في كلّ أشكالها، وأخطرها اليوتوبيا السياسية بالتأكيد.
كان يوسا في مرحلته المتأخرة شديد الحذر من أهواء المثقف، وأحلامه الطوباوية. ولقد عكس ذلك في رواية "شيطنات الطفلة الخبيثة" بصورة مباشرة، لأنه أدخل في مجرى الرواية أحداثاً تاريخية فعلية، الأمر الذي ألفناه في أكثر من رواية متأخرة. رأينا كيف ركب أفراد شبان من الطبقة المتوسطة المرفهة موجة الأفكار الثورية، والتحقوا بالجبال لإسقاط النظام الديمقراطي غير الثوري آنذاك في البيرو. وكيف أن فاعليات التجمعات المسلحة في الأدغال والجبال لم تعمل سوى على استثارة القوى العسكرية في الحكم على الإطاحة بالنظام الديمقراطي، بحجة ضعفه. وانتهت التجمعات أخيرا، وكالعادة، إلى التضحية المجان بشبانها المضيَّعين.
إن نثر بارغاس يوسا في هذه الرواية معبأ، على عكس روايته الجديدة "شيطنات..". بطيء بسبب هذه التعبئة التأملية. يُحوج القارئ إلى التأني، لا ليستوعب المادة فحسب، بل ليتمتع بتقشير اللحاء إلى ما وراءه. خاصة إذا ما كان القارئ مولعاً بالفن التشكيلي وقراءة أدبه. فيوسا يتمتع بقدرة رائعة على تحليل اللوحة، وتحليل الدوافع الخفية وراءها، خاصة لدى فنان رمزي النزعة مثل غوغان:
"لاحظَ أن ثمة صلة وصل قريبة بين هذه اللوحة وتلك التي رسمها ل "تيها أمانا" في 1892، تحت عنوان "ماناو توباباو"، أول لوحاته الرائعة. قد تكون هذه لوحة رائعة هي الأخرى. أكثر عمقاً ونضجاً من الأولى. أكثر برودةً، وأقلّ ميلودرامية، ولكن أكثر تراجيدية ربما. فبدل "تيها أمانا" وخوفها الظاهر من الأشباح، تتمدد "بايورا" هنا، بعد محنة فقدانها لطفلتها ساعة الولادة، مذعنةً ومستسلمة للموقف الذي آمنت به أمام القدر، متمثلاً هنا بالغراب دون عينين، حالاً محل الشيطان الحارس في لوحة "ماناو توباباو". حين رسمت تلك اللوحة الأخرى قبل سنوات خمس كنتَ مازلتَ مُثقلاً بمخلّفات الافتتان الرومانتيكي بالشيطان المروِّع الكئيب مثل بودلير ، الشاعر المفتون بإبليس ، الذي ادعى بودلير أنه حاوره في إحدى الليالي بشأن علوم الجمال. اليوم تلاشت حُلى الأدب الرومانتيكي تلك. الغراب كان استوائيا ، استحال أخضر اللون ، بمنقار أسود ، وجناحين مرقطين بالسخام. في هذا العالم الوثني ، المرأة المضطجعة تقبّلت محدوديتها ، عارفة أنها منتزَعة القوة أمام القوى السرية القاسية تلك التي هبطت فجأة على الكائن الإنساني من أجل تحطيمه . وفي مواجهة قوى كهذه لم تتمرد الحكمة البدائية، لم تَنُح ولم تحتج. لقد واجهتها بروح فلسفية، ووعي، واستسلام ، تماما كالشجرة والجبل في مواجهة العاصفة . وكرمل الساحل في مواجهة البحر". (P.154-155)
هذه عينة من النثر التاملي بشأن لوحة الفن التشكيلي، تتواصل مثيلاتها على امتداد الفصول الخاصة بغوغان في الرواية والتي يستعرض فيها المؤلف أكثر لوحات غوغان أهمية، على عكس الفصول الخاصة بفلورا التي يتزاحم فيها التاريخ. ولذلك بدت لي ثقيلة بعض الشيء.
([email protected])


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.