لا يخفى على أحدٍ ما تشهده منطقتنا العربيَّة ومنطقة الخليج خصوصًا من مساع خسيسةٍ لزعزعة استقرارها، وتكدير أمنها وأمانها في ظلّ التوتّرات الإقليميّة التي أحدثتها الحربُ الأمريكية الصهيونيّة الإيرانيَّة. وفي ظلّ تعقيدات المشهد الإقليمي برزتْ سياسة المملكة العربيّة السعوديّة بوصفها نموذجًا حكيمًا للتعاطي الرشيد مع الأزمات، من خلال المزج بين الحزم الإستراتيجي وضبط النفس السياسي، وحُسنْ قراءةِ الواقع ومآلاته. ورغم التحديّات الكثيرة التي صاحبتِ السلوكَ الإيرانِيّ المتصاعِد الذي لم يَرْعَ حُرمَة جِوارٍ، ولا وشائج قُرْبَى، بصورة تهدِّد الأمن العربيَّ، وتقوِّض الاستقرار؛ فإنّ المملكة لم تنجرَّ إلى أي ردود انفعاليَّةٍ، ولمْ تُقابل تلك الاستفزازات برعونةٍ، بل اختارتْ مساراتٍ ناضجة تقوم على إدارة الأزمة وفق مساراتٍ سياسيّة ودبلوماسيّة مدروسة. ولم يكن ضبط النفس الذي انتهجته المملكة العُظمى تعبيرًا عن تردُّدٍ أو ضَعْفٍ، بل كان خيارًا واعيًا آثَرَ الحكمةَ على التصعيد الذي قد يُعمِّق الفَوْضَى، ويفتح المجال أمامَ مزيد من التدخُّلات التي تهدِّد النسيج العربيّ الإسلاميَّ، ولكنّ الرياضَ وضعتْ مصلحةَ الأُمَّةِ فَوْقَ كُلِّ اعتبار، وغلَّبَتْها على أية حساباتٍ آنيَّةٍ ضَيِّقَة. وقد أكّدَتْ هذه الرؤية الحكيمة لقيادتنا الرشيدة بما لها من ثِقَلٍ سياسيّ ودينيّ على وحدة الصفِّ العربيّ الإسلاميّ، وضرورة الابتعادِ عن الصراعات التي تُهدِّد مقدّرات الشعوب، دون التفريط في الحق المشروع في حماية أمن البلاد وسيادتها؛ فأمن الوطَنِ خطٌّ أحمر، ولنْ يمرّ أي اعتداء دُون ردٍّ محسوبٍ يضمن الرّدع ويحمي السيادة ويحفظ الأمن وتوازناته التي تحرص على حماية المصلحة الوطنيَّة، وتحقيق الاستقرار الإقليمي للمنطقة العربيّة. إنَّ ما تقوم به إيران من تجاوزاتٍ وتعدّياتٍ غاشمة تجاه الدُّول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي يعزِّز مزيدًا من الانقسام، ويُعرِّض المنطقة لمخاطرَ غير مأمونةِ العواقِب، وعلى المجتمع الدولي والأمّة العربيّة الإسلامية تحمُّل مسؤولياتها تجاه وَقف هذا العُدوان، والسعي الجادّ نحو وأْدِ التجاوزاتِ والوقوف في وجه التعدّيات التي تهدِّد أمن المنطقة واستقرارها. ومع أنّ المملكة تملك إمكانات عسكريَّة وتقنيّة ضخمة، فبنيتها الدّفاعيّة متطوّرة، ومنظومتها الأمنيّة متكاملة، ولا تكفّ عن تحديث قدراتها العسكريّة الضخمة، فإنّها -حتّى الآن- لم تتخلّ عن رسالتها المؤمنة بأنّ ضبط النفس ليس تفريطا، والحِلْم ليس ضَعفًا، وعلى الطَّرف المعتدي ألا يفسِّر هذه السياسةَ الحكيمة المتزنة تفسيرًا خاطئًا، فيستمرّ َفي إجرامه وتجاوزاته الحمقاء، ولْيُدركْ أن المملكة العربية السعودية تملك القدرة على الردّ والرّدع، وإنْ كُانت تتجنّب الصّدام حفاظًا على أمن المنطقة، وصونًا لوحدتها، ونُؤثِرُ الحكمة والمسارات العقلانيَّة. وإنّ القيادة الرشيدة لمملكتنا الحبيبة تبذلُ ما في وسعها نحو احتواء الموقف وردّ التجاوزات، وتسعى نحو بلورة موقف عربي وإسلاميّ وعالميّ موحّدٍ يضع حدًّا للتجاوزات الرَّعناء التي تهدّد أمن المنطقة وتزعزع استقرارها، ويوقف الاعتداءات غير المسؤولة الصادرة عن النظام الإيرانيّ الذي جاوز الحدَّ، ولم يترُك في قوس الصبر مَنْزَع.