للفيلسوف فريدريرك نيتشة كتاب بعنوان: «إرادة القوة» جمعته أخته من عدة كتابات له ونشرتها في كتاب بهذا العنوان، فعرضت آراءه في شتى ميادين الفكر، وهو إجمالا يستبدل بالقواعد الأخلاقية المعروفة قواعد أخرى تدعم الأقوياء ضد الضعفاء، وقد جاءت أطروحاته في هذا السياق عنيفة ومستغربة. وبعيدا عن سياق كتاب نيتشة، ما أعنيه هنا بإرادة القوة أن تكون القوة في صورها المادية هي الدافع الوحيد لاتخاذ القرارات، فيكون الفعل تنفيذًا لإرادتها، يعني ما دمت الأقوى عضلات فالأعتدي على من هم أضعف مني، لا دافع لذلك غير أن قوتي أرادت فتم تنفيذ ما تريد، وما دمت الأكثر مالا فالأشتري كل شيء حتى لو لم أكن في حاجة إليه، وتأتي مقابل هذا الاندفاع «قوة الإرادة»، فالقوة كمعنى عام لا تتصف به الماديات فقط، فإلى جانب قوة العضلات، وقوة السلاح، وقوة المال، هناك قوة العزيمة، وقوة الإيمان، وكذلك قوة الإرادة. إن قوة الإرادة تضبط إيقاع إرادة القوة، فتكون الإرادة حاكما ومسيطرا ومرشّدا لاستخدام القوة المادية، فلا تُستخدم إلا حيث يكون استخدامها ضرورة لا بديل عنها، ومن هنا نستطيع أن نقرأ بوضوح ذلك الرّشد في قرار المملكة العربية السعودية في ظل الواقع المحموم المحيط بها، فلم يزدها إلا ثباتا وحكمة، ولم تتعامل معه بردود فعل متسرعة انفعالية؛ فقد تغلبت قوة الإرادة على إرادة القوة. وقد أثبتت المملكة وهي تعبر هذه المرحلة وتلك الظروف الاستثنائية بثبات واقتدار أن القوة الحقيقية هي التي تمتلكها وتسيطر على استخدامها، لا التي تغريك باتخاذ قرارات متعجلة وكأنها هي التي تملكك، فإن الذي يستخدم سلاحه في غير ضرورة يكون السلاح هو الذي استخدم صاحبه فأورده ما لم يكن مضطرا إليه، وهنا تبرز أهمية قوة الإرادة في وجه إرادة القوة، وإن الردع الحقيقي يكون بالحفاظ على قوتك ومقدراتك وعدم الانجرار لصراعات مجانية، فالحفاظ على الأرض والشعب يأتي في مقدمة المصالح والدفاع عنها. هنا يتجلى ردع من نوع آخر، يكمن الردع السعودي في قوة الإرادة وجاهزيتها ضد أي خطر يستهدف العدوان عليها لذاتها، وعدم انجرارها دون إرادة نابعة من نوازعها للانخراط في حرائق حولها وإن تطاير منها شرر لا وزن له. إن قدرة السعودية على الرد العسكري متى دعت الحاجة الحقيقية إليه ليست محل اختبار، ولكنها لا يحركها استفزاز مغرض، وإن القدرة على التحكم هي القوة الحقيقية للجيوش الكبيرة والممالك الراسخة. وقد تكون نتيجة عدم الفعل أجدى بكثير من الفعل ذاته. قبل أن تمتلك السيف ينبغي أن تمتلك الحكمة التي تحدد لك متى تستخدمه، هنا يكون امتلاكك له كاملا غيرمنقوص، وهنا تكتمل لك الفروسية، فالإحجام والإقدام عنصران أساسيان وشرطان لازمان لرجاحة عقل الفارس، وهما اللذان يميزان بين التهور والثبات. إن قوة إرادة الدولة تكمن في القدرة على الحفاظ على مؤسساتها وثرواتها وأرواح شعبها، وهذا هو الردع الحقيقي لأعدائها، أن تبقى قوية لا أن تستنزف في صراعات الآخرين، مع جاهزيتها التامة إذا استدعت الدواعي. تسخّر السعودية قوتها لضمان الاستقرار لا لنشر الدمار، وفي البناء والتعمير، لا الهدم والتدمير، مع حضور فعال، وإنه لا يقتصر أمن الدول على امتلاك الأسلحة الفتاكة فقط، وإنما على امتلاك العقول التي تتحكم في هذه الأسلحة، وبذلك تتحقق ملكية الإنسان للآلة لا ملكية الآلة للإنسان فتغريه بما يضره ويؤذيه، أو يجلب على قومه ما لا حاجة لهم بهم. لقد التفتت المملكة من وقت مبكر إلى تعزيز أمنها الوطني في شتى مناحي الحياة، فلم تقصر على تجهيز الجيش ودعمه بأحدث الأسلحة لحماية حدود البلاد الشاسعة، وإنما التفتت أيضا إلى تأمين العقول من الأفكار الهدامة والغلوّ، ودعمت الوسطية والاعتدال، وفي هذا السياق خاضت المملكة في السنوات الأخيرة أشد المعارك تحديا وهي معركة الوعي، مدركة بأن حماية البلدان تبدأ بوعي الإنسان، وضبط الدوافع قبل امتلاك المدافع. إن قوة الإرادة تتجلى في القدرة على ضبط النّفس، وعدم الانصياع للإغراءات والقرارات الانفعالية، والتركيز على الأهداف طويلة المدى، وإن الرافد الأهم لقوة الإرادة هو الوعي السديد، ثم العزيمة، والرأي الرشيد.