عندما يكون أبطال العمل المسرحي نخبة من نجوم الفن السعودي إلى جوار مجموعة مبدعين من ذوي اضطراب طيف التوحد فالمسرح الإنساني قد يكون هو التوصيف الأقرب لهذا المسرح الذي يقدم لنا هذا المزيج الإنساني من أطياف المجتمع، فالمسرح هو الحياة بأطيافها المتعددة وتنوع مشاربها وتباين أشكالها، وتداخل ظروفها. المسرح أبو الفنون وحري به أن يكون أبا الإنسانية، وذوو طيف التوحد جزء من الأسرة السعودية وكافة أسر العالم، وأعضاء في المجتمع يملكون ملكات خاصة وقدرات لا تتوافر لدى الكثير، ولديهم مهارات خارقة ودرجة تحسس عالية أكثر من غيرهم تجاه بعض الأشياء مثل درجة الصوت والضوء وغيرها، ولذلك هم فنانون بالفطرة بالمعنى العام للفن وبالمعنى الخاص لكل واحد منهم، والتعامل معهم يحتاج إلى مستوى عالٍ من المهنية والقدرة على التعامل مع مستواهم الإبداعي العالي، ومن هنا فإن تقديم عمل مسرحي يحظى بوجودهم ضمن أبطال العمل يعني أن هناك عملا مدروسا بعناية، وفريق عمل إخراجي وفني وإداري عالي المستوى استطاع أن يحقق درجة الرضا المنشودة، والطموح المؤمل، والحديث هنا عن مسرحية (صالة 4) إحدى الجواهر المسرحية التي رعتها (وزارة الثقافة) ممثلة في (هيئة المسرح والفنون الأدائية)، وجاءت بالتعاون مع (جمعية أسر التوحد) التي قدمت أبطالها وأبطال المجتمع، والأسرة الواحدة. عرضان هما رصيد هذا العمل، ولعلنا نطمح ونتطلع إلى عرض ثالث، فالمسرح السعودي صاحب ريادة، وراعي مبادرات جديرة بالاستمرار والاستدامة، وهذا ما نلاحظه في جميع مشاريع وزارة الثقافة ممثلة في هيئاتها الإحدى عشرة، فالنجاح مقرون بالاستمرار والتطوير والمواكبة. كنت آمل أن أعرف صاحب الفكرة لأقول له شكرا على أن جعلت من المسرح قيمة متجددة، وفكرة لا تذوي ولا تتلاشى، فالإبداع فكرة متى لاحت واقتنصتها بصيرة المبدع خرجت للمجتمع في شكل جدير بالاحترام والإكبار، وبالتأكيد فإن خروج الفكرة لا يكون إلا عندما تؤمن جهة مؤهلة ومخولة بهذه الفكرة فتتبناها وتعمل على صقلها ودعمها وتعزيز حضورها كما هو الحال في مسرحية صالة 4. المسرح ونظرياته الفنية والاجتماعية والنفسية ميدان خصب لعمل مسرحي، ولقراءة فنية وقراءة اجتماعية ونفسية، ومسرحنا السعودي فيه من التنوع سواء في نوع المسرح أو الموضوعات المطروحة ما يجعله فرصة بحثية ثمينة، ونحن هنا نطرح نموذج لمسرح اخترنا أن نسميه (المسرح الإنساني) من وجهة نظر شخصية وبحثية، وقد تكون النظرية الاجتماعية العبقرية التي طرحها العالم (أيرفنج جوفمان) (Erving Goffman) ترفدها (نظرية التلقي) الأدبية؛ من النظريات المناسبة والمهمة عند تناول مثل هذه المسرحيات بالدراسة وإخضاعها للمارسة النقدية.