تعد «سياسة الذكاء الاصطناعي المسؤول» المطروحة أمام العموم لإبداء المرئيات خطوة تنظيمية متقدمة، وتعكس وعياً مؤسسياً جاداً بأهمية ضبط هذه التقنية وتوجيه استخدامها بما يعزز الثقة ويحقق الحوكمة ويحفظ المصلحة العامة؛ فالوثيقة لا تكتفي بمبادئ أخلاقية عامة، بل تسعى إلى بناء إطار حوكمة يوازن بين التمكين والابتكار والمسؤولية، من خلال تحديد أدوار المطور والمشغل والمستخدم، وتصنيف المخاطر بمنهج متدرج، وإقرار آليات للرقابة والتدقيق والإبلاغ؛ غير أن القيمة القانونية الحقيقية لأي سياسة لا تقاس بطول نصوصها، بل بقدرتها على الإنفاذ والمساءلة، وهنا تبرز بعض الملاحظات الجوهرية عليها كرؤية تقديرية تحتمل الصواب والخطأ. حيث تبرز أولاً إشكالية الطبيعة التشريعية للوثيقة ذاتها؛ إذ جاءت في صورة «سياسة»، وليس «نظام»، أو على الأقل «لائحة» بالمعنى الاصطلاحي الدقيق المعمول به في منظومتنا التشريعية، مما يثير تساؤلاً مشروعاً حول قوتها الإلزامية في مواجهة الأطراف غير الحكومية؛ فرغم توظيف السياسة عبارات تفيد الإلزام ك»يحظر» و»يلتزم» و»يتعين»، إلا أنها لم تستند إلى نص نظامي صريح يمنحها صفة الإلزام القانوني الكامل، ولم تحدد الجزاءات المترتبة على المخالفة بصورة مباشرة وقابلة للتطبيق؛ وفي المقابل، آثر المشرع الأوروبي في لائحته للذكاء الاصطناعي إصدارها بوصفها لائحة ملزمة مع تحديد العقوبات بنصوص صريحة، وهو فارق جوهري يحدد في نهاية المطاف مصداقية الردع وجدية التطبيق؛ كما يعد المنهج القائم على تصنيف المخاطر خياراً موفقاً يمكن التدرج في الالتزامات، لكنه يحتاج إلى معايير موضوعية أدق تمنع التصنيف الذاتي، وتربط كل فئة بمؤشرات قابلة للقياس والتدقيق الفني، والقضائي عند الحاجة، كما هو الحال في التجارب الأوروبية الناجحة؛ كما يفضل النص صراحة على تحفيز روح المبادرة على الإبلاغ عن الحوادث، لأن فعالية أي نظام حوكمة تتوقف على قدرته على كشف الثغرات قبل تحولها إلى أضرار. ومع ذلك يمكن القول بأنه تكمن قوة مشروع هذه السياسة في ربطها العقود الحكومية بمتطلبات الامتثال، وفي البيئة التنظيمية التجريبية التي توفق بين الابتكار والحماية، شريطة أن تحكم شروط دخولها وخروجها حتى لا تستغل كمنفذ للالتفاف على المتطلبات الجوهرية؛ ولهذا نقول إن هذه السياسة ستشكل خطوة نوعية ومرجعاً قانونياً يعيد تعريف العلاقة بين التقنية والقانون، لو تم ترقيتها إلى درجة تشريعية أعلى، لكي ترسي تدريجياً شكل من أشكال النظام الواضح والملزم، وتمهد الطريق للتعامل مع هذه التقنية المتطورة بصورة دائمة، وبما يضمن شمولية الخطاب التشريعي وتكامله مع الأنظمة ذات العلاقة، ويعزز امتثال الجهات المخاطبة بها.