لطالما مثّل حفل توزيع جوائز الأوسكار تلك الليلة السحرية التي ينتظرها عشاق الفن السابع حول العالم، بوصفها البوصلة التي توثق لحظات التجلي الإبداعي وتكافئ من تجاوزوا حدود المألوف؛ إلا أن المشهد في النسخة الأخيرة بات يثير في النفس شجوناً نقدية تتجاوز مجرد الاختلاف الطبيعي على هوية الفائزين، لتصل إلى تساؤل حول تآكل المعايير الفنية الصارمة التي كانت يوماً ما صمام الأمان لهيبة الجائزة، إن ما شهدناه مؤخراً من جنوح لجان التحكيم نحو الاحتفاء بأعمال تفتقر بوضوح إلى العمق الدرامي وتماسك البناء القصصي، يضعنا أمام مواجهة صريحة مع واقع سينمائي يبدو أنه بدأ يرتضي بالحد الأدنى من الإبداع، حيث تصدرت المشهد أفلام لم تقدم في جوهرها سوى اجترار لصور نمطية مكررة، ومع ذلك حصدت ترشيحات وجوائز لا تتسق إطلاقاً مع قيمتها الفنية الفعلية، بل تبدو وكأنها محاولة لملء فراغ ناتج عن ضعف الإنتاج العالمي في السنوات الأخيرة. وتتجلى هذه المعضلة بوضوح في تلك النزعة «التكريمية» التي طغت على فئات التمثيل، حيث شاهدنا ذهاب ترشيحات التماثيل الذهبية لأسماء لامعة لها وزنها وتاريخها العريق الذي لا يختلف عليه اثنان، ولكن عن أدوار تفتقر تماماً لعناصر التحدي والتعقيد التي عودنا عليها هؤلاء العمالقة في مراحل عطائهم الذهبية، إن الترشيح ومنح الجائزة الكبرى لممثلين قديرين عن أداء اتسم بالبساطة المفرطة والسهولة التي لا تستفز أدنى طاقاتهم الإبداعية، يمثل في حقيقته نوعاً من المجاملة التي تسيء لتاريخ المبدع قبل أن تسيء للجائزة نفسها؛ فالممثل الذي اشتُهر باختراق الحواجز النفسية الصعبة وتجسيد الشخصيات التي تحفر في وجدان المشاهد، لا يحتاج لجوائز ترضية تُمنح له عن حضور عابر لم يبذل فيه سوى القليل من جهده المعهود، ما يعطي انطباعاً مؤسفاً بأن المعيار بات «الاسم» المسجل في الذاكرة وليس «الفعل» المتجسد أمام الكاميرا. إن هذا الخلل في الترشيح وتوزيع الجوائز، الذي طال البطولة والأدوار المساعدة على حد سواء، لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن أزمة الإنتاج الراهنة التي أدت إلى انخفاض سقف الطموح الفني بشكل عام؛ ففي ظل غياب النصوص القوية والرؤى الإخراجية الملهمة، وجدت الأكاديمية نفسها في مأزق البحث عن «بريق» يغطي على شح المضمون، فلم تجد سوى استحضار هيبة النجوم الكبار لتتويجهم وترشيحهم بجوائز تبدو في ظاهرها انتصاراً لهم، وفي باطنها اعترافاً ضمنياً بضعف الموسم السينمائي بأسره. إننا اليوم، كجمهور يعشق السينما ويحترم تاريخها، في أمس الحاجة لاستعادة صرامة النقد التي لا تحابي اسماً ولا تجامل تاريخاً، لتبقى الأوسكار جائزة للتميز المتفرد، لا مجرد مكافأة عن سنوات الخدمة في بلاتوهات السينما التي يبدو أنها بدأت تفقد بوصلتها.