في كل مرة تبحث فيها عن منتج عبر الإنترنت، أو تتصفح موقع حجز فندقي، أو تقارن أسعار تذاكر الطيران، فأنت لا تتسوق فحسب، بل تُقدّم بيانات نفيسة لخوارزميات ذكاء اصطناعي تعمل في الخلفية بهدف واحد وهو معرفة أقصى سعر أنت مستعد لدفعه، وتمثل هذه الظاهرة التي تُعرف ب"التسعير المخصص" أو "التمييز السعري" تحولاً جوهرياً في بنية الأسواق الاستهلاكية الرقمية، مما يطرح تساؤلات جدية حول العدالة والشفافية وحماية المستهلك في مجتمعاتنا الخليجية والعربية.وحتى نفهم حجم التحول، لا بد من التمييز بين نموذجين للتسعير الرقمي: الأول هو نموذج "التسعير الديناميكي"، حيث تتغير الأسعار بحسب العرض والطلب وتوقيت الشراء، وهو ما نلاحظه على سبيل المثال في أسعار تذاكر الخطوط السعودية والفنادق خلال موسم الحج والعمرة، أو حجوزات الرحلات في العطل الوطنية، أما النموذج الثاني فهو "التسعير المخصص"، وهذا النموذج أشد خطورة وأقل وضوحاً، إذ يتجاوز ديناميكيات السوق ليستهدف الفرد تحديداً، مستنداً إلى البيانات التي جمعها عنه، ومنها: ما الذي يبحث عنه هذا المستهلك تحديداً في الإنترنت؟ وكم مرة يزور صفحة ما؟ وأي جهاز يستخدمه؟ وما هي منطقته الجغرافية؟ وما دخله المُقدَّر؟ ويتم تغذية هذه البيانات في نماذج تعلم آلي تتنبأ ب"حد الاستعداد الشخصي للدفع"، أو كم من المبالغ يستطيع أن يدفعها الشخص في منتج أو خدمة ما، ثم يتم ضبط السعر وفقاً للبيانات الشخصية. وقد أثبتت أبحاث أكاديمية حديثة أن هذا النموذج بات واقعاً عملياً لا مجرد نظرية؛ إذ أظهرت دراسة حديثة نشرتها المجلة الدولية للبحوث، أن التسعير الخوارزمي أصبح ركيزة أساسية في استراتيجيات الإيرادات للمنصات الرقمية الكبرى، ولكن، كيف يحدث ذلك تقنياً؟ العملية تبدأ من لحظة دخول الشخص إلى أي منصة رقمية، حيث تُسجَّل كل نقرة وكل توقف وكل بحث، وتُحلَّل بيانات التصفح وتاريخ الشراء وسلال التسوق المتروكة، فيما يُستخدم نوع الهاتف الذكي، أو الحاسوب الشخصي مؤشراً على مستوى الرفاهية الاقتصادية، بينما تُستثمر البيانات الجغرافية للتمييز بين المناطق ذات الدخل المرتفع وتلك الأقل ثراءً. تجمع خوارزميات التعلم الآلي هذه المتغيرات لبناء "بصمة استهلاكية" تحدد السعر الأمثل لكل شخص، والنتيجة تطبيق نموذج التمييز السعري، حيث نجد شخصان يبحثان عن المنتج ذاته في اللحظة ذاتها يظهر أمامها سعرين مختلفين تماماً، دون أن يعلم أي منهما بذلك، ولعل أبرز مثال موثق هو ما كشفته دراسات منصة Booking، حيث أسفر توظيف نماذج التخصيص في عروض الأسعار عن ارتفاع المبيعات بنسبة 162 % مع الحد من التكاليف الترويجية، وهو دليل دامغ على الكفاءة الاقتصادية لنماذج التمييز السعري من جهة الشركات، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن حجم الفجوة المعلوماتية بين البائع والمستهلك. تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في السياق السعودي لأسباب عدة، في مقدمتها ازدهار التجارة الإلكترونية في المملكة، حيث تتجاوز هذه السوق 12 مليار دولار سنوياً، كما أن انتشار الهواتف الذكية وخدمات الإنترنت عالية السرعة يجعل السعوديين من أكثر المستهلكين الرقميين في المنطقة، وبالتالي من أكثرهم عرضة لهذا النوع من التسعير، وحين تستخدم الخوارزميات الرمز البريدي ونوع الجهاز والسلوك الشرائي لتحديد الأسعار، فإن السكان في المناطق الأكثر ثراءً قد يجدون أنفسهم أمام أسعار أعلى، فيما قد يحظى من يسكنون مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية بأسعار مختلفة، وهو ما يُعمّق الفجوات الاجتماعية بين المستهلكين، وفضلاً عن ذلك، فإن المستهلك السعودي، كغيره من المستهلكين في المنطقة، يفتقر في الغالب إلى الوعي الكافي بوجود هذه الممارسات أصلاً، وهو ما يجعله عرضة للاستغلال المعلوماتي دون حماية كافية. على الصعيد العالمي، بدأت جهات تنظيمية كبرى في التحرك، ففي الاتحاد الأوروبي، يُقيّد قانون الخدمات الرقمية (DSA) وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي بعض ممارسات التسعير التمييزي، وفي أستراليا، خلصت هيئة المنافسة والمستهلك في تقرير عام 2025 إلى أن القوانين الحالية غير كافية، وطالبت بإصلاح تشريعي عاجل يشمل إلزام المنصات بالإفصاح عن خوارزميات التسعير، وفي السعودية، تمتلك هيئة المنافسة وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات صلاحيات رقابية، غير أن إطاراً تشريعياً محدداً يُعالج التسعير الخوارزمي المخصص لا يزال بحاجة إلى تطوير، وفي ظل رؤية 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد رقمي متوازن وعادل، فإن معالجة هذه الفجوة التنظيمية تبدو ضرورة وليست خياراً. وعند هذه النقطة، يمكن اقتراح جملة من التوصيات لمواجهة موجة التمييز السعري، من بينها: إلزام المنصات الرقمية العاملة في السوق السعودية بالإفصاح عن استخدامها لأنظمة التسعير الشخصي، بالإضافة إلى تطوير معايير تنظيمية واضحة تحظر استخدام البيانات الديموغرافية الحساسة كالمنطقة الجغرافية أو نوع الجهاز كمؤشر ضمني للمستوى الاقتصادي، فضلاً عن تعزيز وعي المستهلكين بوجود نموذج التسعير المخصص وآليات الاعتراض عليه، ودعم البحث الأكاديمي المتخصص في رصد ممارسات التسعير الخوارزمي في الأسواق وقياس آثاره على المستهلك السعودي، وفي النهاية، يجب أن ندرك أن التسعير المخصص بالذكاء الاصطناعي ليس مجرد ابتكار تقني محايد، بل هو إعادة توزيع للقوة في السوق لصالح الشركات وعلى حساب المستهلك، وحين تتحول بياناتك إلى أداة لاستخراج أقصى ما في محفظتك، فإن مبدأ الشفافية والتنافسية العادلة يصبح موضع تساؤل، والمعادلة واضحة: كلما تأخر التنظيم، كلما اتسعت الفجوة بين ما تعرفه الشركات عنك، وما تعرفه أنت عن حقوقك.