في رأي المختصين، الكذب يتطلب مجهودًا عقليًا أكثر من الصدق، حتى يكون محبوكًا ومتقنًا، وبالتالي يمكن اعتباره أكثر ذكاءً منه، بخلاف أنه يعمل على تشغيل مقدمة الدماغ المسؤولة عن التخطيط والتحكم واتخاذ القرارات، وما قيل مفيد في حالة الكذب الاجتماعي التكيفي، لأنه يخدم غايات اجتماعية نبيلة، وليس الكذب الأناني التسلقي الذي يعمل على التلاعب بالأشخاص.. يوم أمس الأربعاء وافق الأول من إبريل، وهو يوم الكذبة المعروفة باسم هذا الشهر، والمرجح أن هذه العادة بدأت في القرن السادس عشر الميلادي، أيام الملك الفرنسي شارل التاسع، وكردة فعل ساخرة تجاه من يرفضون التحول من التقويم اليولياني، الذي وضعه يوليس قيصر، إلى التقويم الغريغوري المعتمد من بابا الفاتيكان غريغوري الثالث عشر، وقد كان رأس العام الميلادي في شكله الروماني يبدأ من 21 مارس إلى الأول من إبريل، وأصبح في النموذج الفرنسي المعدل، والمعمول به في الوقت الحالي، ما بين يومي 25 ديسمبر والأول من يناير، وتوجد دولتان في العالم لا تعطيان وزنا لهذا اليوم وهما إسبانيا وألمانيا، لأنه بالنسبة للأولى يعتبر يوما دينيا مقدسا، ويصادف في الثانية تاريخ ميلاد الزعيم الألماني المعروف بسمارك. الإشكالية في الكذب أن التعود عليه قد يؤثر بيولوجيا على الأشخاص، وفي دراسة نشرت عام 2016، بمجلة نيتشر لعلوم الأعصاب لوحظ أن اللوزة الدماغية تضعف مقاومتها أمام الأكاذيب المتكررة، وأنها قد تترسخ في الذاكرة لاحقاً، ويتعامل معها الشخص بوصفها حقائق، رغم أنه هو من اخترعها، والدليل ما أكدته دراسة في 2002، عرض على المشاركين فيها مقطع فيديو لسرقة، وطلب منهم تقديم أوصاف كاذبة لشكل المجرم الحاضر في الفيديو، وعندما أعيد إجراء الاختبار عليهم بعد أسبوع، خلطوا ما بين الكذب الذي قالوه، والحقيقة التي شاهدوها، وما سبق يعرف باسم: تضخم الاعتقاد، وفيه تتعرض الذاكرة للتشويش، وتعامل الأكاذيب كحقائق، والمعنى أن من يكذب الكذبة قد يصدقها فعلاً، ويصنع أحداثا متخيلة حولها لتبريرها. هذا لا يعني بالتأكيد أن الصراحة المطلقة والمستفزة تمثل الحل الأمثل، وخصوصا في التعاملات اليومية ما بين الناس، مع أنها مطلوبة وضرورية في الدوائر العدلية والقضائية، لأن ذلك سيدخلها في دائرة التنمر والعنف اللفظي والتمييز ضد الآخر، فالصدق يحتاج باستمرار إلى إيصاله بدبلوماسية وبدون تجريح، ويمكن تجاوز الكذب بأخذ السؤال إلى مكان آخر، يفتح باب الإجابة الصادقة عليه بارتياح تام، واستنادا لدراسة تم إجراؤها في جامعة ماساتشوستس الأميركية، قدر علماء النفس أن الإنسان يكذب في اليوم الواحد ست كذبات في المتوسط، وفي كل مكالمة هاتفية تزيد على عشر دقائق ترتفع احتمالية حدوث كذبة واحدة على الأقل لما نسبته 60%، وفي دراسة نشرت عام 2020، وجد أن 81% من المرضى يكذبون على أطبائهم، وبمعدل واحد في كل ثمانية، ولا أدري بماذا يفكر هؤلاء، فالكذب على الأطباء قد يكون مميتا. الكذب متجدز في كل الكائنات، ولا يختص به الإنسان وحده، ومن الأمثلة، الحرباء التي تعتبر كائنا كاذبا بالفطرة، يتلون حسب الزمان والمكان، ولهذا يشبهون المتلونين والمنافقين بها، ويوجد نوع من البوم يقلد صوت أفعى الجرس، ليرهب أعداءه، ومعهما فراشات عندما تفتح جناحيها، يظهر عليها رسم لعيون مرعبة تنظر نحو من يتجه إليها، وفي رأي المختصين، الكذب يتطلب مجهوداً عقلياً أكثر من الصدق، حتى يكون محبوكا ومتقناً، وبالتالي يمكن اعتباره أكثر ذكاءً منه، بخلاف أنه يعمل على تشغيل مقدمة الدماغ، المسؤولة عن التخطيط والتحكم واتخاذ القرارات، وما قيل مفيد في حالة الكذب الاجتماعي التكيفي، لأنه يخدم غايات اجتماعية نبيلة، وليس الكذب الأناني التسلقي، الذي يعمل على التلاعب بالأشخاص. زيادة على ذلك، عالم النفس ليونارد تاج قام في 1979، بتنفيذ تجربة طلب فيها من مجموعة أشخاص، كتابة اعترافات سرية على أوراق لن يطلع عليها غيرهم، وبعدها عمل استفتاء بسيطا سألهم فيه عن الأمور التي كذبوا فيها، وأفاد ما نسبته 65%، أنهم كذبوا في كامل اعترافاتهم، مع علمهم أنه لن يطلع عليها أحد، ما يعني أنهم كذبوا على أنفسهم. من أشهر أكاذيب إبريل التي انتشرت في دول الخليج بما فيها المملكة، كذبة الزئبق الأحمر في إبريل 2009، التي تفيد أنه موجود في ماكينات الخياطة من نوع: سنجر أبو أسد، ولدرجة أن أسعارها وصلت في بعض الأماكن إلى قرابة 100 ألف ريال، أو ما يعادل ثلاثين ألف دولار، وربما كانت دعاية لتسويقها والتربح من ورائها، وبعض الناس يعتقدون أن الزئبق الأحمر يحتوي على خصائص خارقة، والمؤكد أنها مجرد خرافة، فليس هناك دليل علمي واحد يثبت وجوده من الأساس، وتكلمت شبكة بي بي سي البريطانية في إبريل 2025، عن حالات قامت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بالتقاط كذبات إبريل من مواقع إخبارية موثوقة، ومن ثم عرضتها كحقائق مؤكدة على مستخدميها، ما يشير إلى وجود ثغرة أمنية في دقة معلوماتها، وكذبة إبريل تعتبر من أدوات الحرب الإعلامية، التي تستخدم في حملات التضليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتستغل الطبيعة الترفيهية لهذا اليوم، في إشاعة أخبار مفبركة ومربكة، ولهذا فإن الأجهزة السعودية المختصة، تتعامل معها كجريمة معلوماتية لا كظاهرة اجتماعية.