في سياق حديثه عن كتابة النشرات البريدية كتب الأستاذ محمد الضبع عن مطلب القرّاء قائلاً: «القارئ يبحث عن التفاصيل، عن الأسماء، عن المعلومات السريّة، وعن رأي الكاتب القوي وشخصيّته الطاغية»، وأعتقد أن هذه الأمور هي التي بُغية القارئ الواعي عموماً وقارئ فن السيرة تحديداً، فقد سئم القرّاء من مُطالعة السير الذاتية والغيرية التي تحكي برتابة وبحروف باردة عن وقائع وأحداث روتينية عاشها أو عايشها أصحاب السير، كما يُصاب المرء بالضجر من كم السير التي تحاول تضخيم إنجازات الشخصية المكتوب عنها ورفعها إلى مكانة أعلى مما تستحق. ومن السِّير البديعة التي سعدت بالاطلاع عليها مُؤخراً سيرة الشيخ محمد بن ناصر العبودي -رحمه الله- التي كتبها الأستاذ طارق بن محمد العبودي ونشرتها دار جداول بعنوان: (أحكي لكم عن أبي: شيء من حياته، شيء من أعماله)، وما ميّزها أنها مكتوبةٌ بلغةٍ صادقةٍ وقويّة وبوعي عميق بما يجب أن تكون عليه كتابة هذا الفن، ويتجلّى لنا ذلك الوعي من المقدمة التي وعدنا المؤلف فيها -وأوفى بوعده- بكتابة سيرة «غير تبجيلية» عن والده، مُشيراً إلى أن ما يهتم به القراء ويبحثون عنه هو: «الجديد الحميم». ساق طارق العبودي تفاصيل عديدة تتعلق بحياة الشيخ الخاصة وبرحلاته التي امتدت عقوداً من الزمن باحثاً ومدوناً ومؤلفا، ومن بين التفاصيل اللافتة المتصلة بشغف التدوين أنّه «ألزم نفسه حرفياً بتقييد كل صغيرة وكبيرة تقع في حضوره أو يسمع بها، فتجد باستمرار قلماً ومفكرّة صغيرة في جيبه لا يفارقانه في كل أوقاته»، وذكر الكاتب أيضاً معلومةً طريفة تتصل بتأليف الشيخ لسيرة عملية كان ينوي إصدارها بعنوان: «أربعون عاماً في الوظيفة الحكومية»، ولأن الكتاب لم يُطبع صار اسمه: «خمسون عاماً في الوظيفة الحكومية»، ثم مرت السنوات فتغير اسمه ثانيةً إلى: «ستون عاماً في الوظيفة الحكومية»، وعندما تقاعد الشيخ طُبع الكتاب أخيراً باسم: «سبعون عاماً في الوظيفة الحكومية»! كما أورد المؤلف معلومة جميلةً ومحفزةً لمحبي الكتابة والراغبين في التأليف، فالشيخ بلغ من العمر 52 عاماً ولم يصدر له سوى كتابين اثنين فقط، وقد بلغ عدد مؤلفاته المطبوعة في حياته 216 كتاباً أكبرها حجماً يتكون من 23 مجلداً. كما أكّد على الجهد الفردي للشيخ العبودي في إنجاز أعماله، وأنه كان «يعمل وحده في جمع وفرز وتبويب معلومات كتبه، ولم يسبق قط أن استعان بسكرتير أو باحث مساعد ليعاونه في تحرير أو تدقيق كتبه». لم يكن طريق محمد العبودي في الكتابة والنشر سهلاً وممهداً دائماً، وقد كتب المؤلف بتفصيل عن حادثة منع ومُصادرة أعمال بذل فيها الشيخ سنواتٍ طويلة من عمره في البحث والتدوين والتدقيق، من بينها عمله الضخم «معجم أُسر بريدة» الذي مُنع وصودر بعد تلقيه سلبياً من بعض الأفراد والفئات المعترضة لأسباب متنوعة: إما لورود قصة تاريخية حكم المتلقي أنها غير صحيحة، أو لأن أسرته لم يرد ذكرها في المعجم، أو ذُكرت ولم تُمنح المساحة المأمولة. كما تحدّث المؤلف عن الشكاوى الغاضبة التي نتج عنها منع توزيع «معجم أُسر عنيزة»، و»معجم أُسر الرس». ومما أثار إعجابي في كتاب (أحكي لكم عن أبي) شفافية الكاتب في حديثه عن كثير من المسائل التي يجنح كثير من كُتاب السير العرب، والسعوديين خاصة، إلى التحفظ عند التعرّض لها، ونرى ذلك في عدد من فصول الكتاب من بينها الفصلين اللذين صاغهما بإجادة عن العبودي: «الأب» و»الزوج». وتبدو لنا شجاعة المؤلف، بصورة أوضح، في العديد من الأبواب، كالباب الذي ناقش فيه بجرأة الإشكاليات المتعلّقة بنشر «معاجم الأسر»، أو الباب الموجز للحديث عن روايات والده، وقد استهله برأي قد يكون صادماً لمحبي الشيخ العبودي، وأنا أحدهم، وللمعجبين بأسلوبه في السرد، وصرّح فيه المؤلف قائلاً: «روايات والدي المنشورة لم تكن تعجبني... كُتبت بلغة وعظية ليس مكانها الروايات الأدبية، ولو أُجبرت على شطب جزء من إنتاج والدي الثقافي أو الفكري لشطبت رواياته دون تردد»! ما انفكّ المؤلف، في أغلب المواضع التي عبّر فيها عن آرائه بقوة أو بشيء من القسوة، عن تذكيرنا بأنها آراء شخصية تُعبر عنه وعن ذائقته ولا تُلزم غيره، ومن تلك المواضع المبثوثة في الكتاب، أيضاً، السطور التي كتبها في نقد جُهد مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) في الاحتفاء بالشيخ العبودي، فبعد استعراض دور «المؤسسات الثقافية» السعودية في دعم مسيرة الشيخ ونشر أعماله، مهّد لنقد إثراء بالاعتذار على «ما قد يبدو قسوة على المركز»، ثم عبّر عن سخطه على طريقته المتواضعة في الاحتفاء باكتفائه بنشر «بروفايل» عنوانه: «محمد العبودي: سندباد القرن العشرين» على الموقع الرسمي، ووصف ما جاء في نص المنشور بأنه «تحذلق ممجوج»، ثم سجّل عدداً من المآخذ على محتوى المنشور منها اعتراضه على وصف الشيخ بأنه «داعيه»، فكتب عن ذلك: «ثم أن والدي ليس داعية، وإن بدا لبعض مَن يقرأ كتبه قراءة سطحية إنه كذلك. إنه رجل دولة يتمثل عمله في الاطلاع على أحوال المسلمين ومدى حاجتهم إلى المساعدة من رابطة العالم الإسلامي...». ورغم وجاهة أغلب ملاحظات المؤلف على منشور إثراء إلا أنني أختلف معه قليلاً في موضوع اعتراضه على استعمال وصف «داعيه»، فالمطلع يجد هذا الوصف مُستخدماً في العديد من المصادر السابقة للمنشور، منها: الموسوعة الحرة ويكيبيديا (التي ربما اعتمد عليها كاتب المنشور)، ومنها، كذلك، كتاب (عميد الرحالين: محمد بن ناصر العبودي) للدكتور محمد المشوح، وفيه يُخصص المبحث الأول من الفصل السادس للحديث عن «العبودي الداعية». فاللوم لا يقع على إثراء وكاتبها في هذا المسألة، وإذا كان هناك اعتراضٌ على الوصف فالأولى أن يُدوّن ويُناقش خارج إطار نقد إثراء ومنشورها. بقي أن أقول بأن الأستاذ طارق بن محمد العبودي كتب لنا هذه السيرة بحُب ومهارة وبلغة راقية وصادقة ومتزنة، وفيها كثير مما يثير اهتمام القرّاء من تفاصيل دقيقة، ومعلومات جديدة، وآراء قوية وجديرة بالتأمّل والاحترام. فله منّا كل الشكر على عمله الرائع، وعلى عنايته المستمرّة بالآثار الأدبية للشيخ. ورحم الله محمد بن ناصر العبودي، وغفر له وللمؤلف ولنا جميعاً. غلاف كتاب أحكي لكم عن أبي غلاف مأثورات شعبية