شهدت مناطق عدة في المملكة خلال الأيام الماضية هطول أمطار غزيرة وغير مسبوقة، كان لها أثر واضح ومباشر على القطاع الزراعي، خاصة في الطائف وتحديدًا في شمالها حيث تقع منطقة عشيرة ووادي العقيق والقرى التابعة له. وأعادت هذه الأمطار الحياة إلى مزارع عريقة تمتد لعشرات السنين، يعتمد أصحابها بشكل أساسي على مياه الآبار السطحية، إلى جانب الاستفادة الموسمية من مياه السيول، في مشهد أعاد للأذهان أهمية الموارد الطبيعية في دعم الاستقرار الزراعي. ويُعد وادي العقيق من أبرز الأودية في المنطقة، حيث يحتضن مئات المزارع التي تشتهر بزراعة أنواع متعددة من المحاصيل الموسمية والدائمة، ومع تدفق السيول الأخيرة، امتلأت الأراضي الزراعية بالمياه، وارتفع منسوب المياه في الآبار بشكل ملحوظ، الأمر الذي انعكس إيجابيًا على النشاط الزراعي، وأعاد الأمل للمزارعين بعد فترات من التراجع بسبب شح المياه. وأكد المزارع الشاب عبدالرحمن عايض المقاطي ل"الرياض" أن مزارع العيينة في عشيرة تعتمد اعتمادًا مباشرًا على مياه الأمطار والسيول القادمة من وادي العقيق، موضحًا أن هذه المزارع تضم محاصيل متنوعة بين موسمية ومستدامة طوال العام، ذاكراً أن تحسن وفرة المياه أسهم في زيادة الإنتاج ورفع جودة المحاصيل، ما شجع المزارعين على توسيع نطاق التسويق نحو أسواق الفواكه والخضروات في الطائف، وكذلك إلى جدة ومكة المكرمة، في ظل طلب متزايد على المنتجات الطازجة. من جانبه، أوضح المستثمر عبدالعزيز العتيبي أن سيل وادي العقيق أسهم بشكل مباشر في إنعاش المزارع، حيث أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في الآبار، وهو ما يعزز استمرارية الإنتاج الزراعي طوال العام، مشيراً إلى أن هذه الوفرة ستنعكس إيجابًا على الأسواق من خلال زيادة المعروض واستقرار الأسعار، إلى جانب تحسين جودة المنتجات المحلية. وفي قراءة علمية لهذا التحول، بيّن الدكتور عبدالله بن محمد الغامدي -أستاذ الموارد المائية في جامعة الملك عبدالعزيز- أن الأمطار الغزيرة والسيول تُعد من أهم مصادر تغذية الخزانات الجوفية في المناطق الزراعية، خاصةً تلك التي تعتمد على الآبار السطحية، مؤكداً على أن تدفق المياه في الأودية مثل وادي العقيق يسهم في إعادة شحن الطبقات المائية، ما يرفع من كفاءة واستدامة الموارد المائية لفترات طويلة، مشيراً إلى أن استخدام أنظمة الري الحديثة مثل التنقيط يعزز من الاستفادة القصوى من هذه المياه، ويحد من الفاقد، ما يجعل الأثر الإيجابي للأمطار يمتد لمواسم متعددة. وفي جانب جودة الإنتاج، أوضح الدكتور سعد بن علي القحطاني -الباحث في وزارة البيئة والمياه والزراعة- أن مياه الأمطار والسيول الطبيعية تسهم في تحسين خصائص التربة وزيادة خصوبتها، ما ينعكس على جودة المحاصيل الزراعية، مشيراً إلى أن المزروعات التي تعتمد على هذه المصادر الطبيعية غالبًا ما تكون أعلى قيمة غذائية وأفضل طعمًا، وهو ما يعزز فرص تسويقها في الأسواق المحلية، خاصة في المدن الكبرى التي تبحث عن المنتجات الطازجة ذات الجودة العالية. ويجمع المزارعون في عشيرة ووادي العقيق على أن هذه الأمطار لم تكن مجرد حالة جوية عابرة، بل شكلت نقطة تحول حقيقية أعادت النشاط الزراعي إلى الواجهة، ورفعت من مستوى التفاؤل بمستقبل هذا القطاع الحيوي. كما ساهمت في إعادة التوازن البيئي والزراعي، وفتحت المجال أمام فرص استثمارية جديدة قائمة على الاستدامة. في ظل هذه المعطيات، يستعيد وادي العقيق مكانته كأحد أهم الأودية الزراعية في شمال الطائف، مدعومًا بوفرة المياه، وخبرة المزارعين، والدعم العلمي من المختصين، مما يعزز من دوره في تحقيق الأمن الغذائي المحلي، ويدفع بعجلة التنمية الزراعية نحو آفاق أوسع وأكثر استدامة. جريان وادي العقيق أسهم في ارتفاع منسوب المياه وفرة المياه بشكل غير مسبوق