في ذاكرة الشعر الشعبي تبرز قصة «بخوت المرية» كأصدق تعبير عن لوعة الحرمان من بهجة الجماعة، بدأت الحكاية حين قرر والدها أن ينفصل بذوده عن ركب القبيلة ومضاربها طمعاً في مرعى بكرٍ لم تطؤه الأقدام ضارباً بعرض الحائط توسلات ابنته وحاجتها الفطرية لمشاركة بنات القبيلة فرحة العيد، وحين حلّ يوم الزينة وجدت بخوت نفسها وحيدة في خلاء موحش، تحيط بها النوق الصامتة بدلاً من ضحكات البنات وخضاب الحناء ورقصة العيد وأجوائه التي لا تكرر الا بمثل هذا اليوم فجادت قريحتها بواحدة من أشهر قصائد الوجد والعتاب: عيدوا بي بالخلا والفريق معيدين كل عذرى نقشت بالخضاب كفوفها كن في قلبي سنا ضو قومٍ نازلين ولعوها بالخلا والهبوب تلوفها ولّ عودٍ لاش رحمة ولا قلبٍ يلين جعل ذودك في نحر قوم وأنت تشوفها ما يقرب دارهم كود صنع الذاهبين كود حمراً عزمها من صفاة بلوفها صبت بخوت جام غضبها على والدها وذوده ودعت على الإبل بالضياع والنهب لأنها كانت السبب في غربتها ونعتت والدها بكلمة (ولّ عودٍ) وهي عبارة لا تقال إلا في مواقف القسوة والحرمان، ثم وصفت حالها بصورة بليغة فقلبها كما قالت ليس مجرد حزين بل إنه صار مثل وهج نار أوقدها مسافرون في ليل الصحراء تتقاذفها الرياح فتزيدها اشتعالاً وعبرت عن توقها ل حمراء (سيارة حديثة من صنع الذاهبين أو النصارى) عزمها من صفاة بلوفها تتحدى وعورة الطريق وبعد المسافة وتحملها على وجه السرعة الى جمع القبيلة. هذه «الحرارة» التي وصفتها بخوت هي ما يفتقده إنسان العصر الحديث. ففي زمن بخوت المرية كان للعيد فرحة استثنائية لأنه كان يمثل محطة التغيير الكبرى، فحين يأتي العيد الذي استعدوا له مبكرا تتبدل رتابة الحياة الشاقة يتغير معه المأكل والملبس وتعلن الصحراء عن موعد إجازة استثنائية تعطل فيها الأعمال اليومية ويلبس ثوب العيد ويعفى الرعاة من الخروج بمواشيهم إلى المراعي البعيدة فتتسع مساحة الفرح لتشمل رقصة العيد للنساء ومسابقات الرماية وسباقات الخيل والهجن ويندمج الصغار مع ألعابهم التي يترقبونها عاماً كاملاً. كان هذا عيد بخوت المرية وزمنها القاسي، أما اليوم فقد وصل المجتمع في عهد الرخاء والتقارب إلى حالة من «التشبع» التي قتلت عنصر المفاجأة في الأعياد. لقد تغير العيد الذي لم يتبقَّ منه في كثير من الأحيان إلا اسمه والسبب يكمن في توفر أدوات الفرح أو الوفرة المادية طوال العام. قديماً كان الثوب الجديد يُلبس في العيد فقط اليوم أصبحت الخزائن تمتلئ بالجديد، والموائد الدسمة التي كانت حكراً على الأعياد باتت تُطلب ب «لمسة زر» عبر تطبيقات التوصيل يومياً. فانطفأت مع هذه الميزات كل الأنشطة الجماعية من رماية وسباقات ميدانية وتحول العيد إلى «إجازة للنوم» أو جلسات عائلية محدودة يغلب عليها الصمت الصاخب خلف شاشات الهواتف وحل مكان «تواصل السفر للسلام والمواجهة الى «رسالة واتساب» جماعية باردة. هذا التدفق المعلوماتي جعل الجميع متاحين طوال الوقت مما أضعف «شوق اللقاء» الذي كانت تعاني منه بخوت. فتحولت بهجة العيد بفعل الرفاهية المفرطة إلى مجرد طقس اجتماعي باهت. لقد حققت التكنولوجيا لبخوت أمنيتها ب «صنع الذاهبين» الذي يقرب المسافات إن كان وسيلة نقل أو وسيلة تواصل رقمي لكنها سحبت من العيد روحه التفاعلية لأن أدوات التغيير تلك جعلت العيد يمر دون أن يترك أثراً في الروح وكأننا نعيش خلاءً معنوياً رغم أننا وسط الحشود. نحن اليوم نملك السيارات الحديثة ونملك الخضاب والزينة وكل ما لذّ وطاب لكننا نفتقد ذلك «الاشتعال» الذي جعل بخوت أو «بخيته المرية» اسمها الحقيقي تخلد وجعها وحرمانها بقصيدة تحفظ منذ منتصف أربعينات القرن الميلادي الماضي. لقد أصبح العيد مجرد «تحديث حالة» بينما كان قديماً «حالة تحديث» شاملة للحياة والروح لو عادت معه بخوت -رحمها الله- للحياة لمقتت صنع الذاهبين وزمنه. جعل ذودك في نحر قوم وأنت تشوفها ولّ عودٍ لاش رحمة ولا قلبٍ يلين حمراً عزمها من صفاة بلوفها سعود المطيري