تتوسط مكة أرضاً حراماً مركزها الكعبة، بيت الله العتيق، وحرمه الآمن وتمتد تلك الأرض من كل جهة حول مكة شمالاً، وجنوباً، وشرقاً، وغرباً. وهذه الأرض حرمها الله ولم يحرمها الناس، وفي الحديث الصحيح: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة»، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يجعل منها ميدان قتال، فهي حرم آمن في نفسه آمان لأهليه. ولحرمة هذه الأرض ظواهر: أولها: تحريم القتال فوقها، فلا تنطلق فيها نار، ولا يرتفع فيها سلاح. ثانيها: تحريم اقتلاع نبات منها أو قطع شجر من ذلك النوع الذي ينبت بنفسه كالطرفاء والغيلان، والبقل البري أخضر كان أو يابساً. ثالثها: تحريم صيد حيوان بري وحشي مما لا يستأنسه الناس، ولا يستأنس بطبعه، أو قتله فيها شريطة ألا يكون مؤذياً، «يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم». ولقد تكتسب هذه الحيوانات حصانة الحرمة خارج المنطقة الحرام بالنسبة لإنسان محرم، أحرم بحج أو عمرة مدة إحرامه، ومن هنا يعلم أنه: «يمنع بالإحرام كما يمنع بالحرم أذى هذا الحيوان وصيده». فما صيد منه بالحرم، أو صاده محرم خارج الحرم، أو ذبحه محرم لغير محرم منها، أو دله عليه ليصيده، أو صاده حلال خارج الحرم بنية إهدائه لمحرم فكل ذلك ميتة لا يحق أكله. وأما صيد الحيوان المحرم صيده، أو قتله، أو إحداث أمر به يتلفه ففيه جزاء تقره «محكمة» وهو الذي ورد فيه «الصوم»، وتتكون هذه المحكمة من «عضوين مسلمين عادلين عالمين بقانون الجزاء في الصيد»، وهو قانون يتمثل في أحد الإلزامات التالية: 1 - شراء حيوان من الإبل أو البقر أو الغنم مماثل في القدر والصورة. 2 - أو يقوم الصيد التالف في يوم تلفه بالمكان الذي أتلفه فيه -يقوم بطعام، فيشتريه الجاني، ويوزعه على مساكن المكان ذاته. 3 - أو يصوم عن كل مد من هذه الأمداد يوماً في أي مكان أو زمان يروقان له. الصيام من البداية حتى الإسلام – د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*