حين أُطلقت رؤية المملكة 2030 قبل نحو عقد، كان الاقتصاد السعودي يعتمد بصورة كبيرة على العائدات النفطية التي شكّلت لعقود ما بين 70 إلى 80 في المئة من الإيرادات العامة، فيما كان القطاع الحكومي يستوعب النسبة الأكبر من القوى العاملة الوطنية. في ذلك الوقت، لم تكن التحديات رقمية أو تقنية فحسب، بل كانت مرتبطة ببنية اقتصادية كاملة تقوم على نمط ريعي تقليدي، تتحدد فيه فرص العمل وفق قدرة الدولة على التوظيف، لا وفق ديناميكية السوق وقدرته على خلق القيمة. اليوم، وبعد سنوات من الإصلاحات الهيكلية، تكشف المؤشرات أن التحول تجاوز الإطار النظري إلى نتائج ملموسة. فقد ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 50 في المئة، فيما سجّل الناتج غير النفطي معدلات نمو متسارعة في أعوام متتالية. كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد تدريجياً، في وقت شهدت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة نمواً ملحوظاً مقارنة بما كانت عليه قبل انطلاق الرؤية. القوى العاملة من توزيع الريع إلى صناعة القيمة وعقلية العمل أما في سوق العمل، فقد تراجع معدل البطالة بين السعوديين إلى أدنى مستوياته منذ بدء الإصلاحات، مسجلاً أرقاماً أحادية بعد أن كان يتجاوز 12 في المئة في سنوات سابقة. وارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى ما يفوق 35 في المئة بعد أن كانت دون 20 في المئة قبل أعوام قليلة، وهو تغير لم يكن رقمياً فقط، بل اجتماعياً وثقافياً أيضاً. كما تضاعف عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي تدريجياً، في ظل برامج تمويل وتمكين وتنظيم عززت حضورها في السوق. هذه الأرقام، على أهميتها، لا تعكس وحدها جوهر التحول. فخلف كل نسبة نمو، وكل انخفاض في البطالة، تقف تحولات غير مرئية تتصل بعقلية العمل، ومفهوم الوظيفة، وطبيعة العلاقة بين الفرد والاقتصاد. لقد تغيّر السؤال من «أين أتوظف؟» إلى «ماذا أستطيع أن أقدّم؟»، ومن انتظار الفرصة إلى صناعتها. وفي ذكرى بيعة سمو ولي العهد، تبدو قراءة هذا التحول الذهني ضرورة لفهم المسار الكامل للإصلاح، حيث لم يكن الهدف إعادة توزيع الموارد فحسب، بل إعادة تشكيل ثقافة الإنتاج، وترسيخ اقتصاد يقوم على المبادرة والكفاءة والمنافسة. اقتصاد أكثر استدامة يوضح أستاذ الاقتصاد الكلي واقتصاديات التنمية الدكتور فهد الجماز أن التحول الذي شهدته المملكة خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في مؤشرات النمو أو تنويع مصادر الدخل فحسب، بل يجب قراءته بوصفه انتقالاً هيكلياً من نموذج اقتصادي قائم على توزيع الريع إلى نموذج يرتكز على إنتاج القيمة. ويقول إن الاقتصاد الريعي بطبيعته يعيد تشكيل سلوك الأفراد والمؤسسات؛ إذ تصبح الدولة هي المحرك الرئيس للتوظيف والإنفاق، بينما تتراجع ديناميكية السوق، ويضعف الحافز الفردي للمخاطرة والاستثمار طويل الأجل. ويضيف أن ما جرى في السنوات الأخيرة هو إعادة ضبط للعلاقة بين الدولة والسوق، بحيث أصبحت الدولة منظِّما وممكِّناً أكثر من كونها مشغِّلا مباشراً. هذا التحول انعكس بوضوح على سوق العمل، حيث لم يعد الاستقرار الوظيفي مرادفاً للقطاع الحكومي، بل بات مرتبطاً بقدرة الفرد على تطوير مهاراته والتكيف مع متطلبات اقتصاد متغير. ويرى أن أخطر ما في الاقتصاد الريعي ليس اعتماده على مورد واحد فقط، بل ترسيخه لثقافة الاتكالية وضعف الإنتاجية، وهو ما كانت معالجته ضرورة استراتيجية. ويشير الجماز إلى أن ارتفاع مساهمة القطاع الخاص، وتوسع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، كلها مؤشرات على أن الاقتصاد بدأ يتحرك وفق منطق تنافسي أكثر استدامة. لكنه يؤكد أن التحول الحقيقي يكمن في "عقلية العمل"، حيث أصبح الأداء والكفاءة عنصرين حاسمين في تحديد المسار المهني، بدلاً من الأقدمية وحدها. ويختتم حديثه بالقول إن بناء اقتصاد متنوع لا ينجح من دون بناء إنسان منتج يؤمن بقيمة المهارة والتعلم المستمر. فالتحول الاقتصادي، برأيه، ليس مسألة مالية فقط، بل مشروع ثقافي طويل المدى يعيد تعريف معنى الوظيفة، ويحوّلها من التزام ثابت إلى مساحة إنجاز وتأثير في مسار التنمية الوطنية. المبادرة تصنع التحول ترى الدكتورة نورة الهذلي، أستاذة علم الاجتماع التنظيمي، أن الحديث عن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع لا ينبغي أن يُحصر في التحولات المالية أو المؤسسية، بل يجب أن يُقرأ بوصفه تحولاً في "البنية الذهنية للمجتمع". وتوضح أن الاقتصاد الريعي عبر عقود طويلة لم يؤثر فقط في توزيع الوظائف، بل أسهم في تشكيل توقعات الأفراد عن الحياة المهنية، وحدود الطموح، ومعنى النجاح. وتشير إلى أن أحد أبرز أوجه التغيير يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الأمان الوظيفي. ففي السابق، كان الأمان مرتبطاً بجهة العمل، أما اليوم فقد أصبح مرتبطا بالكفاءة الشخصية والقدرة على التعلم المستمر. وتقول إن هذا التحول أحدث نوعاً من "إعادة التفاوض" بين الفرد وسوق العمل؛ حيث لم يعد الانتماء المؤسسي وحده كافيا لضمان الاستقرار، بل بات الأداء والمهارة والمرونة عناصر حاسمة في تحديد المكانة المهنية. وتضيف الهذلي أن تغير مفهوم الوظيفة انعكس أيضاً على بنية الأسرة وطموحات الأجيال الجديدة. فالشباب لم يعودوا يقيسون نجاحهم بعدد سنوات الخدمة، بل بنوعية الأثر الذي يحققونه، وسرعة تطورهم، ومرونة بيئة العمل. كما أن دخول المرأة إلى قطاعات متنوعة أسهم في تفكيك أنماط تقليدية كانت تحصر الأدوار المهنية ضمن مسارات محددة، ما أوجد نموذجاً اجتماعياً أكثر تنوعا في توزيع الأدوار والمسؤوليات. وتلفت الهذلي إلى أن التحول نحو اقتصاد المبادرة عزز ثقافة التجربة، وقبول المخاطرة المحسوبة، والتعامل مع الفشل بوصفه محطة تعلم لا وصمة اجتماعية. وترى أن هذا التغير في النظرة المجتمعية هو ما يمنح التحول الاقتصادي عمقه الحقيقي، لأنه يؤسس لجيل أكثر استقلالية في اتخاذ القرار، وأكثر وعيا بقيمة العمل المنتج. وتختتم بأن ما يجري اليوم ليس مجرد إصلاح اقتصادي، بل إعادة صياغة للعقد الاجتماعي حول معنى العمل، ودوره في تشكيل هوية الفرد ومكانته داخل المجتمع. اقتصاد المهارات الجديدة يؤكد الدكتور مازن المانع، المختص في سياسات الموارد البشرية واقتصاديات سوق العمل، أن التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع لا يُقاس فقط بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية أو نمو الناتج المحلي، بل بمدى تغير هيكل التوظيف وأنماط المهارات المطلوبة. ويشير إلى أن البيانات الرسمية خلال الأعوام الأخيرة أظهرت أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي وصلت إلى قرابة 50 في المئة، فيما سجل الاقتصاد غير النفطي معدلات نمو تجاوزت في بعض الأعوام 4 إلى 5 في المئة، وهو ما انعكس مباشرة على تنوع فرص العمل المتاحة. ويضيف أن معدل البطالة بين السعوديين تراجع إلى مستويات تقارب 7 في المئة بعد أن كان يتجاوز 12 في المئة قبل سنوات قليلة، وهو انخفاض لا يمكن فصله عن توسع القطاع الخاص وزيادة الاستثمار في قطاعات مثل السياحة، والتقنية، والخدمات اللوجستية، والصناعات التحويلية. كما ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 35 في المئة، مقارنة بما كان دون 20 في المئة سابقاً، ما يعني دخول مئات الآلاف من الكفاءات الجديدة إلى الدورة الاقتصادية. ويؤكد المانع أن الأهم من هذه الأرقام هو تغير طبيعة الوظائف نفسها؛ إذ تشير التقارير إلى ارتفاع ملحوظ في الطلب على المهارات الرقمية، والتحليلية، والإدارية المتقدمة، مقابل تراجع نسبي في الوظائف التقليدية ذات القيمة المضافة المحدودة. كما أن نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل اليوم نسبة تفوق 99 في المئة من إجمالي المنشآت في المملكة، أسهم في خلق بيئة أكثر مرونة وتنافسية، وفتح مسارات مهنية غير تقليدية أمام الشباب. ويرى المانع أن التحول الحقيقي يتمثل في انتقال سوق العمل من نموذج يعتمد على الاستيعاب الحكومي إلى نموذج يعتمد على الإنتاجية والكفاءة. فاليوم، باتت سياسات التوظيف ترتكز على مؤشرات الأداء، والربط بين الأجر والإنتاج، وتطوير رأس المال البشري عبر برامج التدريب وإعادة التأهيل. ويختتم بأن استدامة هذا المسار مرهونة بترسيخ ثقافة التعلم المستمر، لأن الاقتصاد المتنوع لا يقوم فقط على تنويع الموارد، بل على تنويع المهارات وتعظيم قيمة الإنسان المنتج في معادلة التنمية. هندسة للهوية الاقتصادية من زاوية مختلفة، يطرح الدكتور خالد الربيعة، المختص في الاقتصاد السلوكي وصناعة السياسات العامة، قراءة أعمق للتحول الجاري، معتبراً أن ما يحدث في المملكة لا يقتصر على تنويع مصادر الدخل أو إصلاح سوق العمل، بل يمثل "إعادة هندسة للهوية الاقتصادية للمجتمع". ويوضح أن الاقتصاد الريعي لم يكن مجرد نموذج مالي يعتمد على النفط، بل كان إطاراً ذهنياً يحدد علاقة الفرد بالقيمة، والوقت، والجهد. ويشير إلى أن أحد أهم التحولات يتمثل في انتقال مركز الثقل من "اقتصاد الوفرة المعتمدة على المورد" إلى "اقتصاد الندرة المعتمد على الكفاءة". ففي النموذج السابق، كان الإنفاق العام هو المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، أما اليوم فأصبحت الإنتاجية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار النوعي، عناصر حاسمة في رسم المشهد. ويرى أن هذا الانتقال يفرض تغييراً جذرياً في سلوك الأفراد، من الاستهلاك المرتفع المدعوم إلى التفكير الاستثماري طويل الأجل. ويضيف أن التحول انعكس بوضوح على ثقافة اتخاذ القرار، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. فالموظف لم يعد يفكر فقط في الراتب، بل في قابلية مهاراته للتطور، وقدرته على الانتقال بين القطاعات، ومساهمته في خلق قيمة حقيقية. كما أن الشركات باتت تُقيَّم بقدرتها على الابتكار والاستدامة، لا بحجمها فقط. ويؤكد أن هذا التحول يعيد ترتيب سلم الأولويات الاجتماعية، بحيث تصبح الكفاءة والإنجاز معياراً للوجاهة الاقتصادية، بدلاً من المنصب أو الجهة. ويرى الربيعة أن ما يجري اليوم هو تأسيس لاقتصاد "المرونة العالية"، القادر على امتصاص الصدمات العالمية، وتقلبات الأسواق، وتغيرات التكنولوجيا. ويختتم بأن نجاح هذا المسار لن يُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بمدى ترسخ ثقافة الإنتاج والمساءلة في وعي المجتمع، لأن الاقتصاد المتنوع في جوهره ليس مجرد تنوع في القطاعات، بل تنوع في طرق التفكير، وأنماط العمل، وتعريف القيمة ذاتها. د. فهد الجماز د. نورة الهذلي د. خالد الربيعة