يُعدّ الهجوم العسكري المشترك الذي شنّه الرئيس دونالد ترمب مع إسرائيل على إيران يوم السبت، ثاني هجوم عسكري تشنّه إدارته على دولة رئيسية منتجة للنفط هذا العام، وهذه المرة، قد تكون عواقبه على الأسواق العالمية أشدّ وطأة. تقع إيران، العضو في منظمة أوبك، عند مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لتجارة الطاقة العالمية، يمرّ عبره 20% من نفط وغاز العالم. وقد تكون حركة المرور عبر هذا الممر مقيّدة بالفعل. وصرح مسؤول من بعثة الاتحاد الأوروبي البحرية "أسبيدس" بأن السفن تتلقى بثًا لاسلكيًا عالي التردد من الحرس الثوري الإيراني يُفيد بأنه "لا يُسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز". وأضاف المصدر أن هذه الخطوة، التي توقعتها دول الخليج تحسبًا لهجوم أمريكي، لم تؤكدها إيران رسميًا. يُعد إغلاق مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا في أضيق نقطة، إجراءً غير مسبوق. وكان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد سعى إلى استفزاز طهران لإغلاق المضيق خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن إيران سمحت بمرور السفن. وهددت جماعات الحوثيين في اليمن بشن هجمات جديدة على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وهما المنطقتان اللتان استهدفتهما في هجوم بدأ عام 2023. وعلى عكس التأثير المحدود الذي شهده السوق بعد التوغل العسكري الأمريكي في فنزويلا في يناير، أو التوترات السوقية قصيرة الأجل التي أعقبت الضربة الجوية الأمريكية على إيران العام الماضي، فإن صراعًا أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطرابات في دول أخرى، وفقًا لمحللين في قطاعي الطاقة والجيوسياسة. وقال مسؤول في إدارة ترمب إن الحملة العسكرية الجديدة ستُقاس على الأرجح "بالأيام لا بالساعات"، مشيرًا إلى أن ضربات يوم السبت ستكون جزءًا من حملة منسقة أوسع. وكانت إيران قد شنت بالفعل هجمات مضادة يوم السبت على قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة. وقال همايون فلكشاهي، محلل النفط في شركة آي سي آي اس لتحليلات السوق، إنه يراقب لمعرفة ما إذا كان قد تم القضاء على كبار القادة الإيرانيين. وقال: "إذا تم القضاء على كبار المسؤولين، فإن خيارات إيران للرد ستكون محدودة للغاية، لأن أحد أهدافها الرئيسية هو رفع تكلفة هذا التدخل، أي رفع سعر النفط". لكن إغلاق مضيق هرمز أو مهاجمة منشآت النفط في الدول المجاورة سيكون بمثابة "انتحار سياسي"، لأنه سيجر الدول التي التزمت الحياد حتى الآن إلى الصراع. أُغلق سوق النفط الأمريكي يوم السبت، لكن الأسعار قفزت تحسباً لهجوم، لتصل إلى 67 دولاراً للبرميل يوم الجمعة، أي بزيادة قدرها 5 دولارات تقريباً عن الشهر الماضي. وتوقع محللون في بنك باركليز الاستثماري يوم الجمعة أن يصل سعر خام برنت العالمي إلى 80 دولاراً في حال تصاعد التوتر بين الولاياتالمتحدةوإيران. كما أن التداعيات السياسية قد تجر الصين، التي تستورد نحو 90% من صادرات إيران البالغة 1.5 مليون برميل يومياً. أي انقطاع كبير في الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، وبالتالي ارتفاع أسعار البنزين للأمريكيين، وهو ما تم تجنبه إلى حد كبير بعد أن تولت الولاياتالمتحدة مسؤولية شحنات النفط الخام من فنزويلا. وقالت سامانثا غروس، مديرة مبادرة أمن الطاقة والمناخ في معهد بروكينغز، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن العاصمة: "إيران منتج نفطي أكبر من فنزويلا، وبالتالي قد تكون عواقب أي انقطاع أكبر". وأضافت: "بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي على أهم ممر مائي للنفط في العالم، فإن الوضع قد يكون له تأثيرات كبيرة على السوق، ليس فقط في الولاياتالمتحدة". وتتشارك قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، حقل غاز رئيسي مع إيران، يُعدّ مورداً أساسياً لأسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية. وفي حال أدت الضربات الأمريكية، وتفاقم العداء الإيراني تجاه الحكومة، إلى إسقاط النظام الإيراني، فإن حقول النفط الإيرانية تُتيح فرصةً كبيرةً لشركات النفط العالمية لتوسيع إنتاجها، وفقاً لروبرت أويرز، محلل السوق في شركة الاستشارات "آر بي إن إنرجي". وتخضع إيران لعقوبات قاسية، إلا أن بنيتها التحتية تُعتبر متينة، على عكس البنية التحتية في فنزويلا. وقد صرّح رئيس أكبر جماعة ضغط في قطاع النفط الأمريكي في وقت سابق من هذا العام بأن المنتجين الأمريكيين مستعدون لأن يكونوا "قوة استقرار" في إيران في حال سقوط النظام هناك. وأضاف أويرز أن إيران تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة يسهل استخراجها مقارنةً بتكوينات الصخر الزيتي في الولاياتالمتحدة. وقال أويرز: "يُدار قطاعا التنقيب والإنتاج والتكرير في إيران بشكل أفضل بكثير من نظيرهما الفنزويلي. هناك إمكانية لزيادة الإنتاج فورًا تقريبًا. يمكن إضافة ما بين 500 ألف ومليون برميل يوميًا في إيران بسرعة". لكن جيم بوركهارد، نائب الرئيس والرئيس العالمي لأبحاث النفط الخام في مؤسسة "إس آند بي غلوبال إنرجي"، قال إن تغيير النظام "لا يؤدي تاريخيًا إلى زيادة الإنتاج بسرعة"، حتى مع كون قطاع النفط الإيراني في وضع أفضل من نظيره الفنزويلي. وتساءل بوركهارد: "هل سيثق أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية بوجود الأمن والاستقرار اللازمين لتحقيق عائد على استثماراتهم؟ هناك العديد من التساؤلات التي لن تُجاب بين عشية وضحاها". وأشار المحللون إلى أن انخفاض أسعار النفط الخام - التي هبطت إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات في وقت سابق من هذا العام - قد منح إدارة ترمب هامشًا أكبر للمناورة لاتخاذ خطوات مماثلة لتلك التي اتخذتها في إيرانوفنزويلا. وقال بوركهارد: "بالنظر إلى وفرة المعروض في سوق النفط، فإن ذلك يوفر بالتأكيد بعض الحماية. فلو كان سوق النفط يعاني من شحّ في المعروض، لكانت الهجمات في فنزويلاوإيران قد تؤدي على الأرجح إلى ارتفاع الأسعار أكثر بسبب حالة عدم اليقين". إلى ذلك أفادت التقارير أن الولاياتالمتحدة لا تفكر في الإفراج عن النفط من احتياطيها البترولي الاستراتيجي في أعقاب الضربات الأخيرة على إيران. وصرح مسؤول في وزارة الطاقة الامريكية بأنه لم تُجرَ أي مناقشات بشأن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، على الرغم من المخاوف بشأن الارتفاع المحتمل في أسعار النفط الخام. يأتي هذا القرار في خضم مناقشات جارية حول إمدادات الطاقة واستقرار السوق. ويهدف هذا الإعلان إلى تبديد المخاوف بشأن الاضطرابات المحتملة في سوق النفط. يُعدّ الاحتياطي البترولي الاستراتيجي أداة بالغة الأهمية لإدارة موارد الطاقة وضمان الأمن القومي. ويعكس موقف الوزارة نهجًا حذرًا في الحفاظ على مستويات الاحتياطي مع مراقبة ديناميكيات الطاقة العالمية. ووسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط الخام، أكد مسؤول أمريكي أن إدارة تامب لم تدرس أي إجراءات تتعلق بصندوق الاحتياطيات الاستراتيجية. ويأتي هذا الرد ردًا على المخاوف التي أعقبت الضربات الإيرانية.