ينطلق النقد الثقافي من الثقافة في قراءته وتحليله، واستخراج العناصر منفردة أو متسقة في نسق معين، ومن ثم تتسلسل الدورة النقدية حسب المادة المدروسة، ويأتي الأدب ليكون أحد أهم المنتجات الثقافية التي تشكل مادة ثرية للدراسة وفق آليات النقد الثقافي، ولا يستثنى أي جنس أدبي أصيل أو مستحدث من هذا التعميم، ولكن الرواية حظيت في الفترات الأخيرة –وما زالت- باهتمام أكبر لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها توسع مضامينها التي تمنحها مساحة تتحرك فيها العناصر الثقافية والسياقات ذات الطابع الثقافي. وتأتي الإشكالية عند نقد الرواية في إبراز محور ثقافي دون غيره، فلا يأتي الحكم على العمل وفق تصور عام يجمع جزئيات التقييم للخروج بنتيجة شاملة وعامة، فيكون هذا المحور هو اللبنة غير المتفق عليها والتي تخضع للحكم الثقافي الأكثر تأثيرًا وليس الأكثر واقعية، وقد يكون من الأمثلة المحتملة حول هذا الجزء؛ ما أوردته «اندبندنت عربية» على موقعها في تاريخ (14 أكتوبر 2023) عن حجب جائزة الرواية عن روائية فلسطينية بعد أن أعلن فوزها بالجائزة لأسباب بعيدة عن الحكم الثقافي والأدبي المحايد، وإنما بمنظور ثقافي إقصائي استبعد هذا العمل من التتويج، وتحت سطوة (النقد الثقافي) عندما يكون بعيدًا عن الموضوعية على الرغم من أن الجائزة تُمنح للآداب غير الغربية، وبالتالي فهي تحمل قضايا كاتبيها المنتمين لدول أفريقية وآسيوية وأمريكية جنوبية، وتتحدث بلسان أوضاعهم التي يعونها ويعبرون عنها من خلال آدابهم وثقافاتهم. ولو أخذنا نموذج يشكل حالة إيجابية للقراءة النقدية الثقافية ما ذكره الناقد والمسرحي علي السعيد في أحد لقاءات الشريك الأدبي التي قدمها المسرحي والأديب عبدالهادي القرني بتنظيم من صالون نبل، وتمثلت في القراءة الثقافية لمشهد في أحد المسلسلات، وفي سياق يحكي قصة قدوم شخصية من شخصيات العمل من منطقة مجاورة للرياض إلى الرياض العاصمة، ومن ثم عملها على بيع البيض في الوقت الذي تعتبر ممارسة هذا النوع من التجارة ليس واردًا في تلك المرحلة الزمنية لمبررات ثقافية في حينها، وهذه القراءة الثقافية تعطي فرصة للأعمال القادمة لتكون أكثر وعيًا عن طبيعة المحتوى الثقافي لأي عمل فني، بما يعني أن للنقد الثقافي حضوره المهم في فحص العمل ووضع الحكاية الدرامية في قالبها الثقافي العام المناسب وتفاصيلها الثقافية التي تتطابق قدر الإمكان مع طبيعة المرحلة ثقافيًا واجتماعيًا، وأن هذا النقد الثقافي ينطلق من منظور مركب، وأفق واسع يشمل أدق التفاصيل التي تشكل بجزئيتها البناء الكامل المبني على هذه التفاصيل لتكون الصورة أقرب للمنطق الثقافي الذي يحدد نقاط القوة ومواطن الضعف في العمل الأدبي بهدف الحكم العام المنصف وغير الإقصائي.