لشهر رمضان الكريم مكانة خاصة في حياة المسلمين، حيث تتفتح فيه أبواب الخير ويتهذب فيه السلوك، وتعاد فيه ترتيب الأولويات، وتتجلى فيه معاني العطاء والتكافل والسكينة وتسمو فيه القيم، وفي هذه الروحانية المفعمة، لا تبقى الأسواق بعيدة عن المشهد؛ فالشهر الفضيل أحد أبرز المواسم التسويقية في دول العالم الإسلامي، حيث تتحول الشاشات التلفزيونية خلاله، سواء كانت تقليدية أم رقمية، إلى ساحة تنافسية تعيد عبره العلامات التجارية تعريف هويتها وتقديم نفسها بروح مختلفة، في موسم لا يكفي خلاله أن تبيع منتجًا أو خدمة، بل يجب أن تحكي قصة، وأن تُجسّد قيمة، وأن تثبت أنك جزء من روح الشهر، من هنا يتحول رمضان إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الشركات على الجمع بين التأثير العاطفي والذكاء الاستراتيجي في إدارة حضورها الإعلامي. لطالما شكّل التلفزيون في رمضان المنصة الأهم للوصول الجماهيري، خصوصًا في الفترات التي تسبق الإفطار وتليه، وبعد صلاة التراويح، وخلال وقت السحور، حيث تجتمع الأسرة لمتابعة المسلسلات والبرامج الرمضانية. هذا التركّز الجماهيري منح الشركات فرصة استراتيجية لتقديم إعلانات الهوية التي تروّج للقيم التي تمثلها العلامة التجارية، الذي يميل فيه السياق إلى الطابع التوعوي والإنساني، فتبرز مفاهيم التكافل والعطاء وصلة الرحم والاعتدال في الاستهلاك، ليغدو الإعلان رسالة اجتماعية تلامس وجدان المشاهد قبل أن تحفّزه على الشراء، لتمكّن هذه الإعلانات الشركات من ربط علاماتها بقيم شهر المغفرة وبناء رصيد عاطفي ينعكس لاحقًا على الثقة والولاء، وهو أثر يتجاوز في عمقه أي مبيعات قصيرة الأجل. غير أن أنماط المشاهدة في السنوات الأخيرة تغيّرت بشكل ملحوظ؛ إذ انتقلت النسبة العظمى من الجمهور، خصوصًا فئة الشباب، من الشاشة التقليدية إلى المشاهدة الرقمية عبر تطبيقات البث ومنصات الفيديو عند الطلب، ولم يعد المشاهد مقيّدًا بجدول عرض ثابت، بل أصبح يختار وقت المشاهدة والمحتوى والمنصة، هذا التحول أثّر مباشرة في توزيع الإنفاق الإعلاني؛ فلم يعد التلفزيون يستحوذ على الحصة الأكبر كما كان سابقًا، بل أصبح جزءًا من مزيج إعلامي أوسع يشمل المنصات الرقمية، وتطبيقات البث، ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، يشهد رمضان أيضا ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على عدد من السلع والخدمات، لا سيما المواد الغذائية، وقطاع الاتصالات، والتجارة الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بالضيافة والعمل الخيري، وهنا تنتقل الشركات من مرحلة ترسيخ الهوية إلى مرحلة تعظيم القيمة، فتطرح عروضًا موسمية مدروسة تتناسب مع طبيعة الشهر، وتعيد ضبط جداول النشر بما يتماشى مع تغيّر نمط الحياة اليومي، ما يستدعي توجيه الرسائل في التوقيت الذي يحقق أعلى مستويات الوصول والتأثير. إن النجاح التسويقي في الرمضان لا يُقاس فقط بحجم المبيعات المتحققة خلال الشهر، بل بمدى قدرة العلامة التجارية على الموازنة بين البعد القيمي والتجاري، وفهم التحول في سلوك المشاهدة وتوزيع الإنفاق الإعلاني، والشركات باتت تعيد توزيع ميزانياتها بين إعلان تلفزيوني واسع الوصول، وإعلان رقمي قابل للاستهداف والقياس الدقيق، مما أسهم في ارتفاع الاستثمار في الإعلانات الموجّهة، والفيديوهات الرقمية، وحملات المؤثرين. فمن يدير حملته بعقلية استراتيجية تستوعب هذا التحول، سوف يتمكن بإذن الله من استثمار الشهر الكريم تسويقيًا في محطة لتعزيز الهوية وبناء علاقة أعمق وأكثر استدامة مع المستهلك.