تشهد الساحة الثقافية السعودية اليوم حراكاً غير مسبوق، يتجاوز حدود العرض الفني ليصل إلى عمق الأسئلة الوجودية حول تاريخ الفن التشكيلي المحلي نشأته وتطوره. ومع هذا الصعود، تصدرت «جدلية الريادة» منصات الأندية الأدبية وصفحات الصحف الثقافية، حيث احتدم النقاش بين تيارين: تيار يتمسك بالريادة «التاريخية» المرتبطة بالبدايات، وتيار يرى الريادة «منجزاً نوعياً» يتخطى حدود الزمن. ما وراء اللقب: متى يكون الفنان رائداً؟ إن إشكالية التصنيف في المحترف السعودي غالباً ما تقع في فخ «الأقدمية». لكن، واستناداً إلى المعايير العلمية التي تُطرح في الندوات المتخصصة، لا يمكن حصر الريادة في من وُلِد قبل الآخر أو أمسك بالفرشاة والأزميل أولاً، بل فيمن أحدث «هزة جمالية» في الوعي الاجتماعي والبصري. المعيار المؤسسي والتأسيسي: الرواد هم الذين خاضوا معركة «الاعتراف» بالفن في بيئة كانت تكتشف أدواتها لتوها. هنا يبرز أسماء مثل عبد الحليم رضوي ومحمد السليم، ليس لأنهما بدآ مبكراً فحسب، بل لأنهما أسسا لمفاهيم بصرية (كالآفاقية أو استلهام الحرف) ونقلا الفن من الممارسة الفردية إلى المؤسسات الثقافية والصالات التشكيلية. الريادة التقنية والفلسفية: في النحت، لا يمكن الحديث عن الريادة دون الوقوف عند تجارب طوعت الخامة والبيئة، وأخرجت المنحوتة من الصالونات المغلقة إلى الميادين العامة، كما فعل الرواد الذين جعلوا من جدة، على سبيل المثال، متحفاً مفتوحاً منذ نهاية السبعينات. الريادة هنا هي قدرة الفنان على فرض «الكتلة» في الفضاء العام كضرورة ثقافية وليست ترفاً. جدل «الرواد» في الأندية الأدبية والصحافة: المتأمل في السجالات الدائمة والمستمرة عبر المقالات النقدية في الصحف المحلية والأحاديث الثقافية، يجد أن الجدل يتركز حول «إغفال التوثيق». هناك فنانون قدموا تجارب ناضجة في السبعينات والثمانينات لا يزال النقاش قائماً حول موقعهم في سلم الريادة: هل هم رواد صف ثانٍ، أم هم «المجددون الحقيقيون» الذين منحوا الفن السعودي هويته المعاصرة؟ هذا الجدل صحي؛ فهو يعكس رغبة المؤسسة الثقافية في صياغة «تاريخ فن سعودي» لا يعتمد على الانطباعات الشخصية، بل على التراكم المعرفي والتأثير المستمر. معايير مقترحة لفض الاشتباك النقدي: للخروج من دائرة «التصنيف العاطفي» إلى «التصنيف العلمي»، يجب أن تستند الريادة في فنوننا البصرية إلى معايير معتبرة: أولاً: الأسبقية في تأسيس صالات العرض والمساحات الإعلامية: كانت هناك إرهاصات لنشأة الفن السعودية الحديث منذ ثلاثينات القرن العشرين وحتى الستينات، لكنها كانت معارض في سفارات غربية وفنادق محلية، ومنذ تأسيس الصالات التشكيلية وتخصيص مساحات صحفية وإذاعية وتلفزيونية تغطي أخبار الفنانين وتلتقي بهم وتعرض صوراً لأعمالهم للجمهور العام يبرز ريادة عبدالحليم الرضوي ومحمد السليم وعبدالجبار اليحيا ومنيرة موصلي ومن تلاهم في تمهيد الطريق للفنانين بعرض أعمالهم ونشر أفكارهم. ثانياً: الأثر التعليمي والتربوي: الدور الذي لعبه الفنان في إعداد أجيال من خلال معاهد التربية الفنية أو الورش المستقلة، كما يمثله تاريخ عبدالله نواوي الذي عمل معلماً للرسم والأشغال الفنية منذ تخرجه من معهد المعلمين بداية الستينات ثم دوراته التشكيلية في النادي الأهلي الرياضي بجدة. ثالثاً: تجاوز المحلية: إن الاستمرارية في الظهور والتراتب في عرض الأعمال بشكل دوري داخلياً وخارجياً، والقدرة على تمثيل الهوية السعودية في المحافل الدولية (كالمعارض والبيناليات العالمية) بتمكن وقوة أفرز أسماء تستحق الإشادة والحفاوة والتكريم في قوائم الرواد والرموز والأعلام. رابعاً: القدرة على التجدد: الرائد هو من لا يتوقف عند تجربة نجحت في الماضي، بل يظل «متمرداً» بصرياً حتى في مراحل نضجه المتأخرة، وهذا ما يجعل موضوع الريادة في الفنون مفتوحة ومستمرة، فعبر الزمن ظهر لنا رواد للفن التجريدي والسريالي والمفاهيمي والتركيبي والرقمي في المملكة العربية السعودية تحتاج لدراسات مستقلة. ختاماً: نحو تاريخ نقدي منصف إن الريادة في الفن التشكيلي السعودي ليست صكاً يُمنح لمرحلة زمنية مضت، بل هي سيرورة مستمرة. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مؤسسات بحثية تعيد قراءة أرشيفنا البصري بعين فاحصة، بعيداً عن المجاملات الصحفية وعملقة الأقزام وتقزيم العمالقة، لترسيخ أسماء الرواد الذين صاغوا وجداننا الجمالي، وحولوا «اللوحة» و»المنحوتة» من مجرد ممارسة عابرة إلى سجل تاريخي وحضاري للوطن. * فنان وأكاديمي سعودي