جاءت موافقة مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة أمس على تشكيل لجنة دائمة تُعنى بكل ما يتصل بمادة الأسبستوس ومتابعة حظرها، في خطوة استباقية تهدف إلى إنهاء عصر واحد من أخطر الملوثات الصناعية في تاريخ البلاد. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في فرض رقابة صارمة لمنع استيراد أو تداول هذه المادة المسرطنة، إلى جانب وضع آليات دقيقة للتخلص الآمن من مخلفاتها في المباني والمنشآت القديمة. وأشار سياق القرار الذي تداولته الأوساط الرسمية إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة من الترتيبات التنظيمية الرامية إلى تعزيز السلامة البيئية، وضمان خلو المشاريع الوطنية المستقبلية من أي مواد تشكل تهديداً طويل الأمد لصحة المواطنين. وتكمن الخديعة البيولوجية للأسبستوس في طبيعة أليافه التي لا ترى بالعين المجردة ولا تتحلل داخل جسم الإنسان؛ فعند تضرر أي مبنى أو أنبوب يحتوي على هذه المادة، تنطلق ذرات مجهرية في الهواء يستنشقها الإنسان، لتستقر في عمق الرئة مدى الحياة. وتعمل هذه الألياف مثل الإبر المجهرية التي تسبب التهابات مزمنة وتليفاً في الأنسجة، ما يؤدي بعد مرور سنوات طويلة إلى الإصابة بالتليف الرئوي الأسبستي وسرطان الميزوثيليوما الفتاك، وهو نوع من السرطان لا تظهر أعراضه إلا بعد 20 إلى 50 عاماً من التعرض للمادة، الأمر الذي يجعل المصابين بها قنابل موقوتة صحياً دون علمهم. وعلى الصعيد البيئي، يمثل الأسبستوس تحدياً هائلاً لكونه مادة غير قابلة للاشتعال أو التآكل الكيميائي، ما يعني أن بقاءها في التربة أو مكبات النفايات التقليدية يشكل تهديداً مستمراً للأجيال المقبلة. لذا، فإن تشكيل لجنة دائمة في المملكة لا يستهدف وقف الاستخدام الحالي فقط، بل يهدف إلى إدارة الإرث المدفون لهذه المادة، حيث تتطلب عملية إزالتها تقنيات خاصة وعزلاً تاماً للموقع، لأن مجرد الهدم العشوائي لمبنى قديم يحتوي على الأسبستوس قد يؤدي إلى تلوث حي كامل بسحابة من الألياف المسرطنة التي تظل عالقة في الجو لفترات طويلة. وتشير البيانات العالمية إلى أن الأسبستوس أو الحرير الصخري، يصنف بوصفه قاتلاً صامتاً تسببت أليافه المجهرية في وفاة أكثر من 100 ألف شخص سنوياً حول العالم نتيجة إصابات الرئة المزمنة والسرطان. وعلى الرغم من أن الحظر الدولي لهذه المادة بدأ تدريجياً في أوروبا منذ عقود، إلا أن القرار السعودي الجديد يتميز بالعمق الاستراتيجي، كونه لا يكتفي بالحظر الورقي، بل يؤسس لجنة دائمة لملاحقة أثر المادة في الأنابيب وأدوات العزل والأسقف القديمة التي شيدت قبل عقود. وتهدف المملكة من هذا التحرك إلى مواءمة معاييرها مع منظمة الصحة العالمية، التي تعتبر التعرض للأسبستوس خطراً لا يمكن القبول به في مدن المستقبل. ويعكس هذا التوجه سيادة صحية واضحة، تسعى من خلالها الرياض إلى تنظيف سلاسل الإمداد الإنشائية من المواريث الصناعية الضارة. وبموجب هذا القرار، ستخضع جميع المستودعات والمشاريع القائمة لرقابة اللجنة الجديدة، لضمان استبدال الأسبستوس ببدائل آمنة مثل الصوف الصخري والزجاجي. ولا يعد هذا التحرك مجرد تنظيم إداري، بل يمثل استثماراً في الأمن البيئي السعودي، ليغلق بذلك ملف مادة وصفتها التقارير الدولية بأنها الأخطر في القرن العشرين، معززاً مكانة المملكة دولة رائدة في تطبيق بروتوكولات حماية الإنسان من الانبعاثات الكيميائية القاتلة.