هناك فجوة صامتة تكبر بين الأجيال في مجتمعاتنا المعاصرة، لا تُقاس بالسنين، بل بالخبرات، والقيم، والطريقة التي يفهم بها كل جيل العالم من حوله. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في الأذواق، بل مسافة ثقافية حقيقية تؤثر على كيفية تلقي الأفكار، والممارسات الفنية، وحتى الأدب والموروث الشعبي. الشباب اليوم ينشؤون في عالم سريع، مزود بالتكنولوجيا، مطبوع بعولمة متسارعة، حيث كل شيء يبدو متاحًا وسريعًا ومؤقتًا. أما كبار السن، فيحملون ذاكرة طويلة الأمد، رموزًا ثقافية متجذرة، ومعايير متينة للقيم، ومعرفة تراكمية لا تنتقل إلا بوعي وصبر. الصدام بين هذين العالمين يولّد الفراغ: مساحات لا يفهم فيها أحد الآخر تمامًا، وأحيانًا تُترك هذه المساحات خاوية من التواصل، ويصبح كل جيل محتجزًا داخل زمانه الخاص، غير قادر على الحوار الحقيقي. الأدب والثقافة يعكسان هذا الفراغ. كثير من الأعمال الثقافية تصبح معزولة عن جمهورها الحقيقي، أو غير قادرة على التواصل مع أجيال مختلفة. تراث قد يُسلب من الشباب على أنه "قديم"، بينما الحداثة قد تُرفض من كبار السن لأنها "تفقد الجذور". النتيجة أن المجتمع يفقد جزءًا من هويته، وتصبح الثقافة عرضة للتشوه، أو للتقليد الأعمى، أو للسطحية. لكن الفراغ ليس عقابًا، بل فرصة. الفراغ بين الأجيال يمكن أن يكون مساحة حرة لإعادة التفكير، ولإنتاج أعمال تنسج بين القديم والجديد، بين الخبرة والجرأة، بين التجربة والتجديد. حين يتم الجسر بين الأجيال، تتولد ثقافة حية، متجددة، تحمل جذورها ولكنها معاصرة، وتصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير. المسؤولية ثقافيًا تقع على الجميع: على الكبار أن يتركوا فسحة للجيل الجديد ليجرب ويخطئ، وأن يشاركوا الخبرة بصمت حكيم، لا بتحكّم فرضي. وعلى الشباب أن يقرؤوا التاريخ الثقافي لهم بعين واعية، لا بعين ترفض كل ما سبق. حين يلتقي الاحترام بالفضول، ويجتمع الحوار بالاستماع، يزول الفراغ، ويصبح جسرًا، لا حاجزًا. الهوية الثقافية ليست ملك جيل محدد، بل هي مسار طويل، تتداخل فيه الأصوات والرموز والتجارب. الفراغ بين الأجيال ليس أزمة تُحل بالاستسلام، بل فرصة لتجديد الثقافة وإثراء الأدب، وإعادة ربط الماضي بالحاضر، وصنع مستقبل يمكن أن يفتخر به الجميع. ففي مجتمع ينهض بثقافة الأجيال المتواصلة، لا يُقاس النجاح بعدد ما نعرفه، بل بمدى قدرتنا على نقل هذا الوعي، وفهم الآخر، والاحتفاظ بالهوية... رغم كل الفراغات التي قد تفصل بيننا.