في مارس سنة 1966م وفي طريقها إلى محطة الضخ في رفحاء عرجت الإنجليزية فيوليت ديكسون (أم سعود) مع أدلائها لزيارة بركة الجميمة، إحدى برك السيدة زبيدة على طريق الحج، والتي قالت إن مساحتها 64 متر مربع وعمق خمسة أمتار، ووجدتها مغمورة جزئياً بالرمال، وقد نضب منها الماء الذي كان يرتوي منه البدو، وهناك التقوا بثلاث سيارات دوريات لخفر السواحل قامت باستيقافهم، وعندما أطلعتهم على خطاب وزير الداخلية ذهبوا وتركوهم. وصلوا محطة الضخ في رفحاء المقامة على خط التوبلاين بعد الظهر، فقامت بزيارة السيد أرنولد ناظر المحطة وزوجته في البيت المتنقل البديع كما وصفته والخاص بهما، حيث تناولت كوباً منعشاً من عصير البرتقال، وكانت حديقة البيت تتوهج بأشجار الخشخاش الطويلة الحمراء، ومن رفحاء واصلوا رحلتهم، حيث كان الجزء النهائي من الطريق المعبد لم يمهد بعد إذ كان العمل جارياً في تعبيده. في نحو الساعة الخامسة مساء وقع اختيارها على منخفض أخضر مشجر مجاور للطريق وترتع بالقرب منه قطعان من الإبل، فاختاروا لخيمتهم موقعاً مرتفعاً وفي مأمن خطر جرف السيول، قام الأدلاء بإشعال النار وإعداد القهوة، وقد انضم اإليهم راعيا الإبل الاثنين، وقدموا لهم التمر والقهوة، حيث مر عليهم أيام لم يتناولوا غير حليب النوق والقليل من التمر بعد ما هرب الجمل الذي يحمل زادهم وأغطية نومهم واختفى قبل يومين، كان كل شيء يبدو ممتعاً بهيجاً، قبل أن يقفز أحد الصبيان رعاة الإبل من مكانه ويركز نظره من فوق الخيمة نحو الشمال الغربي صائحاً بهم محذراً من قدوم عاصفة رملية سوداء ما لبثوا وسمعوا صوت الريح المندفعة نحوهم، وقد جرى البدويان لجمع إبلهم وهما يرددان ندب إبلهم والصياح لها، فاستطاعا في وقت قصير تجميعها وترقيدها (تبريكها) على الأرض، وقام مرافقها ناصر بغريزته الصحراوية القوية بدفن النار بالرمال، ونقل أواني القهوة إلى داخل الخيمة. كانت الرياح قوية تكاد تقتلع خيمتهم، لكنهم تفرقوا لإسنادها، فمنهم من أمسك بالأعمدة، ومنهم من ثبت الأوتاد والأطناب، وهم يدخلون في ظلمة لا يرون معها شيئاً من قوة وثقل العاصفة لم يجلِها غير رشة مطر منعشة بعد نحو 40 دقيقة، انقشعت بعدها العاصفة وسطعت الشمس من جديد. عادوا بعد ذلك لإشعال النار ثانية، ودعوا الصبيين رعاة الإبل محمد وطاهر، وتعتقد أم سعود أنهما من قبيلة عنزة العزيزة، لمشاركتهم وجبة العشاء وقد أناخا إبلهما على بعد نحو 20 ياردة لقضاء الليل خلف الخيام، استمر بعدها المطر وهم نيام، وعند استيقاظهم الخامسة والنصف فجراً أشعلوا النار من جديد، وبينما كانوا يعدون القهوة والشاي جاء أحد البدويان وطلب طاسة حتى يحضر لهم مزيداً من حليب النوق، فأعطوه قدر طبخ عاد به مسرعاً مملوءاً باللبن والزبد. شحنوا أمتعتهم منطلقين نحو بدنة التي عند ما وصلوها وصلوا أولاً لبوابة سياج سلكي، وتمثل البوابة مدخل معسكر بدنة، وكان عداد السيارة يشير إلى 581 ميلاً، بينما كان مكتوباً على خط الأنابيب بالكيلو مترات 578 محسوبة من القيصومة. عصر ذلك اليوم أخذت الكاتبة لزيارة عبدالله بن مساعد أمير عرعر في مكتبه على الشارع الرئيس لبلدة عرعر، على بعد نحو ميل خارج المعسكر، وقال ممثل الشركة السيد مالكوم كوينت إن لديه بعض الأمور يريد مناقشتها مع الأمير وقد رتب للكاتبة لقاءً معه في مكتبه الساعة الخامسة إلا ربع. تقول الكاتبة لقد سعدت بهذا اللقاء مع الأمير الذي استمعت إليه كثيراً وتبادلت معه حديثاً ممتعاً، ثم قالت: لقد أذهلني تماماً تطور مدينة عرعر الجديدة، فقد كانت هذه المدينة قرية صغيرة جداً عندما جئنا لها منذ سنوات. أما الآن فقد أصبح هناك شارع رئيس مزدوج في وسط المدينة تصطف على جانبيه حوانيت عديدة جيدة. وكان الشارع جيداً لإضاءته بفضل صف مزدوج من أعمدة الكهرباء. وكانت النباتات الخضراء تغطي وسط الشارع المزدوج وقد علمت أن عدد سكان المدينة كان يبلغ نحو عشرين ألف نسمة. يذكر أن عرعر في هذا التاريخ 1966م لم يكن قد مر على نشأتها أكثر من 15 عاماً، حيث نشأت عرعر كواحدة من مدن التوبلاين سنة 1951م تقريباً على وادي عرعر المعروف، وكانت عبارة عن محطة ضخ وسكن عمال على الخط بدايات نشأتها قبل أن تجتذب بعض أبناء البادية الذين فضلوا الاستيطان، فكانوا البذرة الأولى لنموها وتطورها، ويقطنها حالياً وفق آخر إحصائية سنة 2022م أكثر من 200 ألف نسمة، وهي حالياً محافظة عامرة بالحركة والتجارة، وهي حاضرة منطقة الحدود الشمالية وعاصمتها الإدارية، وذات أهمية تجارية وجغرافية، ومن المدن التي شهدت تطوراً في مختلف مجالات الحياة في السنوات الأخيرة، ويتبعها العديد من المدن والمراكز والهجر. درب زبيدة حليب الإبل خط التوبلاين برك السيدة زبيدة