نتفق جميعاً بأن القراءة ترتقي بنا من الجهل إلى المعرفة وأرى بأن الأهم من ذلك هو أنها تعرينا وتكشفنا حين مواجهة ذواتنا حينما تنقلنا من الجهل إلى توعيتنا وتذكيرنا بجهلنا وهذه وظيفة أسمى، يقول الدكتور مصطفى محمود -رحمه الله-: (لقد كانت القراءة بالنسبة لي وسيلة لقتل الوقت وانتهت إلى إحياء الوقت)، وبما أن تقدم الأمم والشعوب وحضارتها مرتبط بمدى قراءة الكتب والاهتمام بها والتحفيز على قرائتها فقد أعجبتني فكرة راقية ومبادرة جديرة بالإشادة قام بها مقهى مزيج السعادة في الخرج (شريك أدبي) تهدف لتعزيز ثقافة القراءة في المجتمع ورفع الوعي وذلك حين أسهمت بتوفير مكتبة متنقلة تضم العشرات من المؤلفات تتجاوز مئة مؤلف متنوع لأدباء سعوديين وهذه المبادرة - حسب مالك المقهى والمسؤولين فيه - قد بدأت بالتنقل لأول محطاتها في مطلع شهر نوفمبر من العام الماضي 2024 حيث أنها تتنقل بين مقاهي المحافظة (مدة شهر في كل مقهى) وهكذا، والأجمل هو الأثر الطيب والكبير لها حيث أخبروني بأن الإقبال عليها كبير من قبل رواد المقاهى المستهدفة، وأن بعض ملاك المقاهي المستهدفة طلب تمديد المدة لبقاء الكتب، وبعضهم تأثر بتلك المبادرة وأنشأ فيها مكتبة خاصة تضم رفوفها الكتب المتنوعة فأصبحوا بذلك مصدرين للثقافة بعد ماكانوا متلقين لها، وهكذا أهمية القراءة وأثرها، وهذه هي العدوى الثقافية المحمودة التي يتمناها كل محب للثقافة وللكتاب أن تنتشر في المجتمعات. وعند الحديث عن أهمية القراءة والأثر الذي تتركه فجميعنا نعلم بأن أول آية أنزلت في القرآن ابتدأت ب(اقرأ) وهذا الأمر بحد ذاته كافٍ للتدليل على ضرورتها فى حياتنا، فهي تمنحنا سعة الأفق والخيال وتوسع مداركنا مع المعارف الأخرى التى نكتسبها من خلال الإعلام بأنواعه ومن تجارب الحياة ومجالسة الآخرين، وهي كذلك تهذب السلوك حيث يظهر أثرها فى كلماتنا وأحاديثنا وتعاملاتنا حتى لو نسينا الكثير من تفاصيل مانقرأ فهي تشكلنا بمرور الوقت من حيث لا نشعر. وشأن القراءة عظيم ولابد أن تكون لنا نمط حياة لأنها تعلمنا تقبل الاختلاف والمختلفين عنا، وتمنحنا الاستقلال بأفكارنا وقيمنا بدلا من أن يشكلها الآخرون والمحيطون من حولنا فنكون بذلك مجرد تابعين ومقلدين لهم في الكثير مما يقولونه ويقررونه، وهي تجعلنا نعيد ترتيب أفكارنا وآرائنا وبعض مانشأنا عليه - وتبنيناه - من قناعات ربما تكون خاطئة، ومن جماليات القراءة أنها تمنحنا رحيق الفكر الإنساني وخلاصة عقول العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين أفنوا كثيرا من أعمارهم من خلال التأمل والملاحظة والبحث والدراسة، وهى تنقلنا من بلد لآخر وتنقل لنا ثقافات الشعوب وعاداتها - وكل ذلك ونحن في مكاننا وكأننا معهم وبينهم - ولنستفيد من أخطائهم حتى لا نقع فيها مستقبلا، وإضافة لذلك فالقراءة تمنحنا حالة من النضج في التعامل مع الناس ومواقف الحياة، وتحمينا من التشتت وتقوي تركيزنا وتجعلنا نتفاعل مع المقروء ونحاكمه فتتكون لدينا بذلك ملكة النقد والسؤال، والقراءة تدلنا على كتب أخرى قيمة يذكرها بعض مؤلفي الكتب، وتخلصنا من التوتر النفسي أو على الأقل تخفف منه، وتحسن مهارات التفكير وتقوى الذاكرة وتأخر الإصابة بأعراض الشيخوخة (الزهايمر) وتساعدنا على النوم - لأنها تبعد عنا كل مايشغلنا فتساعدنا على الاسترخاء - وهي تحارب الملل، وتحسن من مهارة التحدث والحوار، والكثير من الفوائد والآثار الناتجة عنها والكثير من الأسباب التي تؤكد أهميتها وتدعونا لفعل القراءة، وإضافة لكل ماسبق من فوائد القراءة وأهميتها فهي كالمبادرة المذكورة عدوى حميدة تنتقل بين البشر، فحين تعتاد أعينهم على رؤية الكتب وإقبال الناس عليها يتأكد حينها التأثير والتحفيز.