لا يحتاج الإنسان إلى الانهيار كي يكتشف أنه تجاوز حدّه. فأحيانًا يكفي أن يستيقظ مثقلًا، متعبًا بلا سبب واضح، ضائقًا من أشياء كان يقبلها سابقًا دون تردد. ليست المشكلة في كثرة الالتزامات، بل في تلك ال«نعم» التي قيلت في غير مكانها. نعم بدافع اللطف، ونعم بدافع الخوف، ونعم حفاظًا على صورةٍ اعتقدنا أننا مطالبون بحمايتها. وعلى النقيض تماماً فعندما تقول «لا» ليس تمرّدًا، بل مراجعة لما يستحق وقتك، ولما يستنزفك باسم القرب، ولما اعتدت تحمّله حتى حسبته طبيعيًا. في ثقافتنا، نُربّى على أن «لا» كلمة ثقيلة، محرجة، تحتاج تبريرًا طويلًا. بينما الحقيقة أن ما يحتاج التبرير ليس الرفض، بل الاستمرار فيما ينهكنا. كل «نعم» غير صادقة تؤجل المواجهة، وتراكم الضيق، وتخلق علاقة غير متوازنة وتأتي المعادلة أن هنالك طرفاً يمنح أكثر مما يحتمل، وطرفاً يعتاد الأخذ دون أن ينتبه. ووفق التجارب.. أن تقول «لا» يعني أنك أدركت أن احترامك لنفسك وأن راحتك ليسا شيئًا يُؤجل. «لا» ليست نهاية للعلاقات الجيدة، بل اختبارًا لها. ما كان قائمًا على التقدير سيبقى، وما كان قائمًا على الصمت سيتكشف. لأن بعض السلام لا يأتي من التحمل، بل من كلمة واحدة قيلت في وقتها. كم مرة اخترنا الاستمرار حفاظًا على الصورة.. ودفعنا الثمن من أنفسنا؟ وحين تتعلم أن تقول «لا» دون عدوانية، ودون اعتذار زائد، ودون خوف من سوء الفهم، فأنت لا تخسر الناس.. بل تعيد ترتيب حياتك.