تعلمنا أن نتجنب الخطأ، وأن نراه خطرا يجب التحذير منه، بالغنا في الخوف منه، حتى صار الخطأ في وعينا مرادفا للفشل والضعف، وصار الصواب صورة مثالية نُطالَب بالوصول إليها. ونسينا أن الخطأ ليس طارئا، بل هو سمة الحياة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لو لم تذنِبوا لذَهبَ اللَّهُ بِكم ولجاءَ بقومٍ يذنبونَ ويستغفرونَ فيغفرُ اللَّهُ لَهم". توصيف دقيق لطبيعة الإنسان. فافتراض عدم الخطأ هو تجريد للإنسان من إنسانيته، وكأننا نطالبه بأن يكون كائنا مكتملا منذ البداية ، بلا تجربة وبلا تعثّر وبلا تعلّم، ويضعه في مواجهة معيار لا يمكن بلوغه. قد يكون الخطأ والانحراف المؤقت عن الطريق، هو ما يفتح لنا طرقا لم نكن نعرفها. الخطأ هو ما يحدّد الإنساني فينا. من إنسانية الإنسان أن يُخطئ، وهو يُبدع لأنه يُخطئ. وما الإنسان لو لم يكن معرضاللخطأ؟ يقول الله سبحانه وتعالى: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" و"إن" حرف يفيد التوقع، في هذا الدعاء تصريح بأن النسيان والخطأ أمران متوقعان، داخلان في طبيعة الإنسان، فالآية لا تفترض إنسانا معصوما، بل تعترف مسبقا بالضعف. تأمّل من حولك في العمل أو في الحياة. مرّ سريعًا في ذهنك على من يخطئ، ومن يستدرك على نفسه، ومن يتعلّم من خطئه. ثم قارن بينهم وبين غيرهم، لا من حيث النجاح الظاهر فقط، بل من حيث الرضا النفسي، والتصالح مع الذات ومع الآخرين. ستجد أن الخطأ لم يكن عائقا، بل كان شرطا للتعلم، متى ما وُوجه بالوعي لا بالإنكار. كل من أخطا تعلم بشرط أن يعترف بخطئه. الأخطاء ليست واحدة. هناك خطأ عابر يمرّ دون أثر، وخطأ يغيّر مسار حياة كاملة. هناك خطأ يكلفك دقائق، وخطأ يكلفك سنوات، وهناك أخطاء تمنحك ما لم تكن لتدركه بغيرها. لست أدعو إلى ارتكاب الأخطاء، ولا إلى الاستهانة بها، ولا إلى إلغاء التحذير منها. علينا أن نحذر الخطأ، ونعرف الصواب، لكن علينا أيضا أن نعرف كيف نتعامل مع الخطأ حين يقع. أن نعالج الخطأ أولا، ثم نعالج آثاره، ثم نتوقف قليلا لنتعلم مما أخطأنا فيه: كيف أخطأنا؟ ولماذا؟ وكيف نتجاوز ذلك نفسيا؟ بأن نتسامح مع أنفسنا، ونرفق بها، فمن منا لا يخطئ؟ ثم نسأل: ما الذي تعلمناه منه؟ وما الذي يمكن أن نفعله لكيلا نعيد الخطأ مرة أخرى. عند ارتكاب الأخطاء، ينقسم الناس غالبا بين من يُنكر خطأه ويتحصن بالكبرياء، ويلتمس لنفسه سبعين عذرا، لا يترك للآخر عذرا واحدا منها، ومن يغرق في لوم نفسه حتى يفقد توازنه. ويرى أن حياته توقفت عند هذا الخطأ. كلاهما لا يتعلّم. فالخطأ الحقيقي ليس في الوقوع في الخطأ، بل في تكراره، وفي عدم التعلّم منه. كل خطأ يترك أثرا لأنه يحمل درسا: نتيجة خطأ الجهل تعلّم، ونتيجة خطأ التعجّل تريّث، ونتيجة خطأ سوء الفهم تركيز، ونتيجة خطأ التردّد حسم. كل خطأ مررنا به علّمنا شيئا لم يكن ممكنا أن نتعلمه بدونه. لا حيلة لنا لإيقاف الأخطاء إلا بإيقاف الحياة نفسها. أن تسلم من الخطأ يعني أن تبقى على هامش الحياة: بلا تعلّم وبلا تطوّر وبلا نجاح. الإنسان مجبول على الخطأ، وقد راعى الدين هذه الطبيعة. بل إننا نُؤجر أحيانا على الخطأ؛ يقول رسول الله: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر". الأجر هنا ليس على الخطأ ذاته، بل على الاجتهاد الذي قاد إليه. والتسامح مع الخطأ هو تشجيع على التفكيروالاجتهاد والمحاولة، وعلى الذهاب إلى ما وراء الأشياء، وعلى التجربة دون يقين كامل بالنتيجة. ويقول: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" وتظهر هنا قمة التسامح مع الخطأ في الإسلام، لأنه طريق الإنسان إلى التعلّم، بشرط أن يكون بلا قصد ولا نية. فالخطأ في النيات والمقاصد شيء، والخطأ في الاجتهاد والمحاولة شيء آخر. أما ارتكاب ما نُهي عنه بقصد وتعمد، فذلك خطأ صريح لا تسامح فيه. الخطأ طريق للمعرفة، ولا يتبدد إلا بالمعرفة التي يولّدها. الخطأ ليس شيئا عارضا نادر الحدوث، بل هو المسار الطبيعي للأشياء. أن تتعلّم يعني أن تخطئ، وأن تعيش يعني أن تخطئ، الخطأ نفيٌ للكمال، ونفي الكمال هو أكبر طريق للتطوّر.. لا تتعمّد الخطأ، لكن لا تخف منه. عبير علي الجربوع