ينطلق المشهد الثقافي والفني بوثبات تنعطف لبراح حيوي يتسق مع المكانة والتطلع نحو معاصرة وأصالة تترك البصمة على المستويين الإقليمي والعالمي، حيث ترنو وزارة الثقافة كمؤسس فاعل للمهرجانات لاستعراض الثقافة السعودية في سياقٍ التقارب والتفاعل والاختلاف مع ثقافات تتسم بالتنوع والفرادة، حيث تحتضن مدينة مسك العالمية هذا العام النسخة الثالثة من مهرجان»بين ثقافتين» الذي يستضيف جمهورية الصين الشعبية في نسخته الثالثة كاستضافة تعكس متانة العلاقة السعودية الصينية، ضمن حدثٍ دولي يُقام بالتزامن مع العام الثقافي السعودي الصيني 2025، للتأكيد على أهمية التبادل الثقافي بين السعودية وجمهورية الصين الشعبية. وهو ما يتسق مع (رؤية المملكة 2030-وكذا المستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة) بهدف ترسيخ الحوار ومد جسور التواصل الحضاري، وتعزيز التعاون والتبادل الفني والتلاقي الثقافي المعاصر بين ثراء الموروث السعودي وعمق الحضارة الصينية، والانخراط مع الفنون والأنشطة العالمية المتنوعة لتقديم تجربةً ثقافية متكاملة للزوار تجمع بين التقاليد الثقافية الأصيلة والتوجهات العالمية المعاصرة. فمن خلال تأثير نابض واسع الصدى في المشهد الثقافي والفني بالمملكة، تنطلق فاعليات المهرجان في الفترة من الرابع والعشرين من ديسمبر 2025 وحتى السادس من يناير 2026، في قاعة الملفى بمدينة الأمير»محمد بن سلمان» غير الربحية «مدينة مسك» بالعاصمة الرياض، كأحد الفعاليات الثقافية لاستكشاف التنوع الثقافي بين الشرق والغرب من خلال تقديم العديد من الحرف والفنون والصناعات اليدوية من الجانبين السعودي والصيني، والعروض الأدائية والموسيقية، وورش عمل وملتقيات حوارية تثقيفية وتجسيد إبداعي لفنون العمارة في البلدين وعروض موسيقية وفلكلورية تعكس القيم المشتركة في التراث والهوية. والتواصلية السعودية الصينية ليست بالأمر المستحدث، حيث شهد العالم القديم شبكتين تجاريتين شكلتا جسرا للتبادل الحضاري والاقتصادي بين الشرق والغرب («طريق الحرير» الذي امتد من الصين عبر آسيا الوسطى حتى الشرق الأوسط وأوروبا، لنقل الحرير والبهارات والمعادن مما جعله محوراً أساسياً لالتقاء الحضارات- «وطريق البخور» الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بالعالم القديم، لينقل تجارة اللبان والبخور عبر اليمن وعمان وصعودا نحو نجران ويثرب حتى البحر المتوسط) ليتكامل الطريقان في تشكيل خريطة التجارة الدولية وربط الشرق الأقصى بالعالم، ومنح الجزيرة العربية دوراً محورياً في حركة السلع والعطور في حضارات العالم القديم، والتواصل الثقافي والمعارف وعلوم الطب والفلك وظهور أساليب خطية تجمع بين جماليات الخطوط الصينية وروح الحرف العربي وهو الخط المعروف»بالخط السيني». ويضم مهرجان»بين ثقافتين»معرضاً فنياً يعكس جانب من التنوع والثراء الذي تزخر به الثقافتين، جيث تلتقي الإبداعات السعودية الصينية في حوار دينامي من خلال قوالب فنية متنوعة لتشمل اللوحات التصويرية والتجهيزات الفراغية والمنحوتات والصور الرقمية والفوتوغرافية والبئيات الافتراضية وفنون وسائط لثقافتين ذات خصوصية وهوية وحضور، حيث لا يهدف المعرض الى دمج تلك الهويات وإنما تناغم للتواجد والصيرورة واستحضار مشهد ثقافي وحوار نابض بالحياة يعكس القيم المشتركة في التراث والهوية كأنماط فنية تسعى لاستكشاف نقاط الالتقاء بين الطبيعة والفكر، وفلسفة البيئة في تأثيرها علي الفكر الإنساني وتطوره، وكيف نظرت الحضارات المختلفة (القديمة والمعاصرة) للعلاقة بين الإنسان وبيئته وطرق تكون معتقداتهم وأنظمتهم الاجتماعية. ليكشف بذلك المعرض الفني عن رحلة معاصرة بين عالمين قديمين «الصين والمملكة» لتتشابك خيوط الذاكرة والطبيعة والخيال، وتنبري الأواصل من الطرق التاريخية العظيمة ليتأسس اللقاء بين الشرق الأقصى والأوسط، عبر أطروحات تثري ذلك الحوار الملموس والمحسوس بين الماضي والحاضر، وترجمة العناصر الطبيعية للغة تصبح فيها الرمال والأحجار والألوان والأصوات أوعيه للذكريات ومواد تحوي كل ما هو غير ظاهر وتثبته وتشكيل المكان إلى وجدان ورسم الذاكرة بحضورها. وتتوزع أعمال المعرض عبر ثلاثة أقسام: حيث «التقاء الصحراء ببحر الذاكرة» في القسم الأول من المعرض الفني، ويتناول كيف تُشكِّل الصحراء والبحر ذاكرة الفنانين ورؤيتهم الفنية، إذ تتحول العناصر الطبيعية للغة تأملية للفنان لتجسيد المشاعر والأفكار والحالات النفسية، وتتحول من مجرد محاكاة للواقع إلى رموز تعكس العالم الداخلي للفنان، وتربط بين ثبات الأرض وسيولة الزمن، من خلال التجريد لخلق تجارب بصرية فريدة فاعلة-وفي القسم الثاني للمعرض»نسيج النور والتراب»تنبري العلاقة (بين المادي الذي يتعلق بالأشياء المحسوسة والملموسة-واللامادي الذي يتجلى في غير الملموس) بصهر الحدود بين (الضوء- الطين- النسيج) ليكشفوا جوهر المادة واتحاد الروح بالبيئة كرحلة فلسفية روحانية عميقة-وفي القسم الثالث»آثار المستقبل» تُركز المعروضات على أعمال فنية باعتبار أن الفن ضرورة حياتية ذات ترتيب أساسي بين الأولويات في سبيل تحقيق النضال الفكري والثقافي، حيث ترتكل تلك الشروحات علي إعادة قراءة التقاليد واسترداف الذاكرة في صياغات وتركيبات غامرة تتسم بتنوع الأساليب والوسائط في ثوب من الحداثة لتغدو الأعمال بمثابة خريطة زمنية تستكشف الذاكرة والوجود لتصل الماضي بالحاضر. أعمال فنية وتراكيب فراغية تسطر الحداثي والمشهديات البصرية ذات الهوية والخصوصية والحسي الوجداني، لينطلق مرجوع ذلك لما يتمتع به الفنانون من قدرات إبداعية تفاعلية صيرورة مع التقنية والوسائط وفق مفاهيم محددة عززت الفعل الإبداعي والحرية لدي الفنانين. فجاء عمل»اتصل بالأم» «ناصر السالم»، وعمل»غيوم» للفنان»عزيز جمال»، والنسيج الحيوي والأصباغ الطبيعية والفولاذ المكونين لعمل «رحلة الهلام ذات الفرادة» للفنانين»بسمة وزينب المشاط»، وعمل الفنانة «منال الضويان»، وعمل «ثقوب في هاويتي» بخيوط قطنية باللونين الأبيض والأسود للفنانة «هناء الملا»، وعمل»كنوز الأرض»للفنانة»زهرة الغامدي «كنسق متحرر من الحواجز التي تفصل بين الماضي والحاضر، والجمع بين أمكنة وأزمنة متباينة، لتعميق الماورائيات وتشفير الرسالة، للوصول للاقتضاب المفسر، عبر تراكيب خاصه كطاقه لأسس الأسلاف، ولغة شاعرية موازية للأحاسيس والمشاعر الإنسانية وتشابك الخامات والذاكرة وتراكماتها التي تصدر تاريخ وثقافات الأماكن. واستعرضت «لولوة الحمود» سلسلة «لغة الوجود» انطقت بنوع من التشفير للفن القديم بطابع عصري ممزوج بالحروف العربية واسترداف الطرق الحسابية لتأسيس الفكرة التي ارتكت إلى تفكيك الأحرف العربية ثم إعادة صياغتها من خلال طرق ومعالجات حاسوبية وجرافيكية، وذلك فق أساس المربع الرياض «فيدا» «الرياضيات القديمة»، لطرح أبجديات مفعمة استلهمت «أسماء الله الحسنى» «الحرف والكلمة» كمثير بصري ذي سيادة. والتشكيلات الضوئية في بنائيات»راشد الشعشعي» كوسيط لتوصيل الرسالة بلغة وجيزة، تدشن الحوار بين (حجوم العمل، ألوانه، ملامسه، خطوطه–وتلك الشخوص المتغيرة أمام العمل) (حوار الساكن والمتحرك–لنسج حوار الخامات الضوئية والشخوص الخارجية المتحركة)، وعمل «أيمن حافظ» الذي يعزز رؤية مجازية للأيدي التي ساهمت في بناء الدرعية عبر العصور، حيث يتكون العمل من مجموعة قفازات مرتبة في مصفوفات داخل تكوين مربع يرمز إلى التماسك والبنيان، وقد تم تغليف العمل بالكامل باستخدام التربة الطينية المحلية المستخرجة من المنطقة الوسطى بما يخلق رابطة ملموسة بين الماضي والحاضر. *الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد من أعمال لولوة الحمود