في سوق نفطية تعاني تقلبات حادة وفائضاً عالمياً متزايداً، اتخذ تحالف أوبك+ خطوة تاريخية في اجتماعه في 30 نوفمبر 2025، بإقرار آلية شفافة لتقييم الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة لكل عضو. هذه الآلية، التي ستُستخدم لتحديد خطوط الأساس الإنتاجية اعتباراً من عام 2027، تنهي ظاهرة الركوب المجاني"Free Ride" التي طالما سمحت لبعض الأعضاء بالتجاوز عن حصصهم أو المطالبة بحصص تفوق قدراتهم الفعلية دون استثمارات حقيقية كافية. وبقيادة المملكة العربية السعودية، يعيد التحالف صياغة قواعد اللعبة نحو إطار أكثر عدالة وشفافية وكفاءة، مما يعزز الاستقرار طويل الأمد. يأتي هذا القرار في سياق يظل فيه النفط مصدر الطاقة الرئيسي على مستوى العالم، رغم التحولات الجارية نحو مصادر الطاقة المتجددة. وتسعى الدول المنتجة إلى تعظيم إيراداتها من خلال زيادة الكميات المباعة، حتى في ظل انخفاض الأسعار، إذ تؤكد المعادلة الاقتصادية أن الحجم الأكبر قادر على تعويض تراجع السعر، خاصة مع عدم مرونة الطلب السعرية على المدى القصير. وتمثل هذه الظروف فرصة استراتيجية للمملكة، التي تتمتع بطاقة إنتاجية مستدامة تبلغ 12 مليون برميل يومياً، مدعومة باحتياطيات هائلة، مما يؤهلها لأداء دور قيادي في توفير إمدادات موثوقة تضمن استقرار وتوازن الأسواق العالمية. ومع اقتراب الإنتاج الفعلي من الحدود القصوى لدى كثير من أعضاء أوبك+، يصبح التجاوز عن الحصص أمراً شبه مستحيل، مما يفرض التزاماً تلقائياً أقوى. كذلك، يجعل توازن السوق عند أسعار عادلة الالتزام مصلحة مشتركة، تعزز الثقة بين الأعضاء وتقلل من التقلبات الشديدة. في الوقت ذاته، كما أكد التحالف استمرار سياسته الحالية بتمديد تعليق زيادات الإنتاج خلال الربع الأول من 2026، مع الحفاظ على تخفيضات إجمالية تبلغ نحو 3.24 مليون برميل يومياً حتى نهاية 2025، بالإضافة إلى المتبقي من التخفيضات الطوعية البالغة 1.24 مليون برميل يومياً. وتوفر هذه المرونة إمكانية تعديلات شهرية سريعة وفقاً لتطورات السوق، لدعم الاستقرار العام. يعزز هذا القرار وحدة تحالف أوبك+، ويجعل التحالف أكثر جاذبية لانضمام أعضاء جدد، من خلال نظام يضمن توزيع الحصص بشكل عادل يعتمد على القدرات الإنتاجية الحقيقية. كما أنه يحفز الدول الأعضاء على الاستثمار الجاد في توسيع طاقتها الإنتاجية، مما يتيح لها الحصول على حصص أعلى في المستقبل، ويضمن بذلك إمدادات نفطية مستقرة وطويلة الأمد في ظل التحول الطاقي العالمي المتسارع. أما بالنسبة للمنتجين خارج التحالف، فإن هذا النظام المنضبط يشجعهم على تبني التعاون المنسق بدلاً من الإنتاج الفوضوي الذي يؤدي إلى فائض عالمي يضر بمصالح الجميع. تعمل الآلية الجديدة على تصحيح الاختلالات السابقة التي كانت تتيح لبعض الدول الحصول على حصص إنتاجية تتجاوز قدراتها الفعلية، في حين تحملت دول أخرى العبء الأكبر من التخفيضات الطوعية للحفاظ على توازن السوق، تمثل هذه الخطوة الجريئة والشفافة نقلة نوعية تضمن لتحالف أوبك+ سيطرة أكثر فعالية على السوق، مع كفاءة أعلى وعدالة أعمق، محولةً التحديات الراهنة إلى فرص استراتيجية لبناء مستقبل أقوى وأكثر استدامة للتحالف وللأسواق العالمية.