في الرابع من يناير 2026، لا يحتفل العالم بمجرد ذكرى ولادة "لويس برايل"، بل يحتفي باللحظة التاريخية التي انتقل فيها الإبصار من "العين" إلى "اليد"، حيث كُسر حصار العتمة بلمسة إصبع. إنها قصة الإرادة التي جعلت من النقاط البارزة نوافذ تطل منها الروح على اتساع العلم؛ فبالنسبة لذوي الإعاقة البصرية، لم تكن "برايل" مجرد وسيلة قراءة، بل كانت بمثابة "العين البديلة" التي تمنحهم حق السيادة على مصيرهم المعرفي. بصيرة تتجاوز حدود البصر إن الطموح الذي يسكن قلوب ذوي الإعاقة في المملكة يتجاوز حدود الرعاية التقليدية؛ فهم اليوم شركاء في البناء، يثبتون أن "القيادة" لا تكمن في "العصا البيضاء" التي تتلمس الطريق، بل في "البصيرة" التي تملكها عقولهم. هذه البصيرة التي تتغذى على العلم والقراءة، وتتسع كلما تعمقت دائرة معارفهم. إنهم لا يبحثون عن الشفقة، بل عن التمكين الذي يجعل من "البصيرة" نوراً يضيء دروب المجتمع بأسره. واقع الأرقام والمطالب الدولية على الصعيد العالمي، تضعنا الأرقام أمام مسؤولية كبرى؛ إذ تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك أكثر من 2.2 مليار شخص يعانون من ضعف البصر أو العمى، منهم ما يقارب 39 مليونيعيشون في ظلام دامس. وفي المملكة، تشير البيانات إلى وجود نحو 181,728 شخصاً يواجهون تحديات بصرية، مما دفع الدولة لاستثمار التقنيات الحديثة لتحويل كل نص مكتوب إلى مادة ملموسة. وتشدد "اليونسكو" في تقاريرها على ضرورة دمج ذوي الإعاقة البصرية في النظم التعليمية الشاملة، معتبرة أن حرمانهم من لغة "برايل" هو حرمان من حق أساسي من حقوق الإنسان. ومن جانبها، تطلق "اليونيسيف" نداءات مستمرة بضرورة رعاية الأطفال ذوي الإعاقة البصرية منذ الصغر، مؤكدة أن الوصول المبكر لمصادر المعرفة الملموسة هو الضمانة الوحيدة لتقليص فجوة الأمية والفقر بينهم. إن المطالب الدولية لم تعد تقتصر على توفير "الحد الأدنى"، بل تضغط باتجاه عالم رقمي متاح بالكامل (Digital Accessibility) لضمان ألا يُترك أحد خلف الركب. رسالة العلم والتمكين إننا في المملكة، ومن خلال رؤية 2030، نؤمن بأن المعرفة هي الحق الذي يتساوى فيه الجميع، فالعلم لا يعرف حدوداً في الحواس، والقراءة هي النور الذي يغذي تلك البصيرة المتوقدة، وحين تلامس أناملهم تلك النقاط، فإنها لا تقرأ حروفاً فحسب، بل تصيغ مستقبلاً تكون فيه الإرادة هي القائد، والبصيرة هي الدليل، والوطن هو الحاضن لكل هذا الإبداع.