في العلا، حيث تتقاطع طبقات التاريخ مع أسئلة الحاضر، لم تعد زيارة المواقع التراثية تقتصر على المشاهدة أو التوثيق، بل باتت تجربة يمكن إعادة تشكيلها عبر أدوات رقمية تعزّز الوعي والمسؤولية. في هذا الإطار، قدّمت د.ميرام علي تجربة تفاعلية مبتكرة، تهدف إلى تحويل الزائر من مراقب سلبي إلى حارس نشط للتراث، من خلال تجربة سلوكية تكشف كيف يمكن للقرارات الصغيرة أن تُسهم في رسم مستقبل المواقع التراثية في العلا. وتحدّثت د.ميرام علي -أستاذ مساعد بقسم العمارة ومدير مركز الابداع والابتكار بكليات عنيزة- عن تجربتها في تطوير هذه اللعبة التفاعلية، التي استندت إلى نسخ افتراضية لمواقع تراثية بارزة في العلا، من بينها جبل الفيل وقبر لحيان بن كوزا، وقد جرى توظيف هذه المواقع داخل ما يُعرف ب"التوأم الرقمي"، بوصفها مساحات تعليمية تفاعلية، تتيح للزائر خوض مواقف مختلفة، وفهم أثر قراراته الفردية على المواقع التراثية، قبل زيارتها على أرض الواقع. وتنطلق التجربة من إطار بحثي أكاديمي يدمج التقنيات الرقمية مع مفاهيم الوعي السلوكي وصون التراث، وتهدف إلى تقديم نموذج تطبيقي يوضّح كيف يمكن للتجارب التفاعلية أن تعزّز الفهم، وتدعم السياحة المسؤولة، وتحوّل الزائر من متلقٍ للمعلومة إلى مشارك واعٍ في حماية التراث. وفي هذا السياق، توضّح قالت د.ميرام علي: لم أتعامل مع العلا في هذه اللعبة بوصفها موقعًا يُنقَل إلى فضاء رقمي، بل بوصفها مكانًا له حضوره وذاكرته وخصوصيته، وأن تصميم التجربة جاء بوصفه محاولة لفهم العلاقة مع المكان وحدود التفاعل معه، وإشراك الزائر في تجربة تقوم على الانتباه والتأمل وإدراك أثر الاختيار. وحول العناصر التراثية والرمزية، أشارت إلى أنها لم تُعرض كصور أو رموز مباشرة، بل حضرت ضمن منطق الحركة نفسه، فطريقة الانتقال، والتوقف، والاختيار بين المسارات، صُممت لتعكس معنى "العبور المسؤول"، ولتُذكّر بأن المرور بالمكان ليس فعلًا محايدًا، وأن لكل سلوك أثره، وإن بدا بسيطًا. وأكدت أن التوازن بين الأصالة والخيال الإبداعي تحقق عبر الفصل الواضح بين تمثيل المكان وتمثيل السلوك؛ إذ حُفظت أصالة الموقع من خلال احترام سياقه، فيما استُخدم الخيال كأداة منهجية لتحويل التحديات المرتبطة بالزيارة والتفاعل إلى سيناريوهات قابلة للاختبار داخل اللعبة، دون أن تكون بديلًا عن التجربة الواقعية. ويُقاس تفاعل الزائر مع اللعبة من خلال تحليل سلوكه داخل النسخة الافتراضية، بما يشمل القرارات التي يتخذها، والمسارات التي يختارها، والزمن الذي يقضيه في كل مرحلة، إضافةً إلى استجاباته في نهاية التجربة، وينصبّ التركيز، وفقًا لميرام علي، على رصد التحوّل في الوعي والسلوك، لا على قياس التفاعل التقني فحسب. وتتمحور الرسالة التي يُفترض أن يخرج بها الزائر بعد خوض التجربة حول أن التراث ليس مكانًا نمرّ به، بل قيمة نتشارك مسؤولية حمايتها، وأن القرارات البسيطة أثناء الزيارة قد يكون لها أثر طويل المدى على المواقع التراثية. وذكرت د.ميرام علي أن التجارب التفاعلية تملك قدرة حقيقية على تغيير نظرة الزائر إلى التراث، لأنها تعيد تشكيل علاقته بالمكان، فحين ينتقل من دور المشاهد إلى دور المتفاعل، ويشارك في الحركة والاستكشاف واتخاذ القرار، يتكوّن لديه فهم أعمق للسياق المكاني والتاريخي، فهم ينبع من التجربة نفسها، لا من الشرح أو التوجيه المباشر. وفي السياق السياحي، تسهم هذه التجارب في تنمية اهتمام الزائر بالمواقع التراثية، وتعزيز رغبته في زيارتها فعليًا، فالاحتكاك المسبق بالمكان داخل بيئة رقمية غامرة يخلق فضولًا واعيًا، ويهيّئ الزائر لتجربة أكثر انتباهًا واحترامًا عند الوصول إلى الموقع الحقيقي. وبهذا المعنى، لا تُطرح التقنية بوصفها بديلًا عن الزيارة الواقعية، بل كوسيط داعم لها، يربط بين المعرفة والتجربة، ويسهم في ترسيخ سياحة أكثر وعيًا واستدامة. إشراك الفرد في الانتباه والتأمل وإدراك أثر الاختيار