في أواخر الثمانينيات، شهدت المنطقة طموحا تقنيا نادرا: شركة صخر التي وطنت البرمجيات لتبني أول نظام تشغيل عربي، نافست به عمالقة الصناعة في العالم. رمزت صخر لفترة قصيرة مستقبل الابتكار العربي المدفوع ذاتيا، المتطلع للمستقبل، والمتطور تقنيا. وبغيابه في التسعينيات ترك فراغا لم تعوضه أي شركة إقليمية حتى جاءت شركة هيومين. جاءت هيومين بعد أربعين سنة لتفتح باب الاحتمالات على مصراعيه من جديد. ما تطمح إليه هيومين ليس أن تبني تطبيقا أو منصة فحسب، لكنها تصنع ابتكارا متكاملا معتمدا على نموذج اصطناعي عربي المولد في منظومة تقنية كاملة من البرمجيات إلى العتاد. وبعيدا عن مشاعر الحنين لمن عاصر التجربة، فإن المقارنة بين التجربتين تكشف فروقا هيكلية بين رائد شحيح التمويل وبطل وطني ترعاه الدولة. من منظور فيليب أغيون، تمثل كلتا الشركتين لحظات لما يسمى الابتكار الحدودي: محاولات لوضع منطقة بأكملها على حدود التقدم التقني عالميا. وقفت صخر بتقنياتها الحديثة في عصر انطلاقة الحاسوب الشخصي بمنهج ريادة كلاسيكي نحيف وهش دون دعامات حكومية مركزة. اعتمدت على طاقة ريادة الأعمال في نطاق بيئي إقليمي يفتقر إلى الحجم والبنية التحتية وسياسة الحماية الصناعية. بمجرد ما أن تلقت صدمات المنطقة الجيوسياسية، لم يكن لصخر مخزون للعودة، فقد جرفها تيار الهدم الخلاق، ضدها هذه المرة. في المقابل، تبدأ هيومين رحلتها في ظروف مختلفة. نشأت من صندوق الاستثمارات العامة، مع بنية تحتية قوية من مراكز بيانات كبيرة، وشراكات عالمية. تدخل سباق الابتكار بميزات ضرورية للتغيير التقني الموجه كما يصفها أغيون: رأس مال صبور، تنسيق وطني، بناء نظام بيئي صلب، ودعم للبحث والتطوير طويل الأجل. يماثل هذا المسار ما سلكته كوريا الجنوبية بنجاح، حينما دعمت حكومتها أبطالا تقنيين وطنيين مثل سامسونج وإل جي. كان الاستثمار مشتركا بين القطاعين العام والخاص مع دعم لوجستي للصادرات وحماية استراتيجية حتى أصبحت شركاتها قوية لتنافس عالميا. باختصار، تجنبت كوريا مشكلة صخر، حيث ضمنت دعما لمن يغامر في التقنيات عالية المخاطر بعيدا عن عزلة الرياديين القاتلة. بالنسبة لهيومين، يكمن التحدي في الدعم الحكومي المناسب الذي يوجد ظروف الابتكار المستدام تحت ضغط تنافسي صحي. أن يصل السوق إلى توازن بين الدعم الحكومي المفرط وغيابه وكلاهما قاتل الابتكار. أن يصل السوق إلى مستوى من الطلب للحلول المتقدمة السابقة لعصرها عالميا مثل تبني حوسبة الذكاء الاصطناعي بالوكيل، وهو ما يمثل انتقالا ثقافيا عميقا للمؤسسات والمستخدمين. يمكن أن تصبح هيومين أول رائد عربي شامل للتقنية منذ صخر إذا وجد الدعم المناسب الذي يترك هامشا لحرية ريادة الأعمال. ما يستفاد من صخر ليس صعوبة الابتكار، بل إن الطموح وحده غير كاف. بنجاح هيومين، لن نبني نظام تشغيل فقط، لكن سنعيد تشكيل مسار التنمية للمنطقة بأكملها.