حين زار الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- واشنطن في فبراير 1985، كان العالم منقسما على جانبي خطوط الحرب الباردة، وكانت المملكة ترسخ دورها القيادي العالمي الذي انعكس على علاقتها الاستراتيجية مع الولاياتالمتحدة. أما اليوم، وبعد أربعين عاما يزور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واشنطن، وقد انتقلت العلاقات السعودية–الأميركية من علاقة ثنائية إلى علاقة ذات تأثير عالمي متعدد الأبعاد. في زيارة 1985، كان محور اللقاء بين الملك فهد والرئيس رونالد ريغان هو الاستقرار الإقليمي، وعملية السلام في الشرق الأوسط، واستقرار أسواق النفط. كان البيان المشترك يعكس روح الثقة والتنسيق المتبادل لاستقرار سوق الطاقة وتوفير مظلة أمنية وتقنية لتعزيز استقرار المنطقة. بعد أربعين عاما، حضر ولي العهد إلى واشنطن بملف أكبر. فحسب بيان البيت الأبيض، شملت المباحثات توقيع اتفاقية دفاعية استراتيجية، صفقات لطائرات الفانتوم 35، وشراكات في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة، واتفاقات في الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقات استثمارية ضخمة. تحكي هذه الأجندة العريضة أن المملكة ليس شريكا في الطاقة فحسب، إنما شريك أمني وصناعي وتقني فاعل في الاقتصاد العالمي. ما يمكن ملاحظته بين الزيارتين أولا، اتساع نطاق التعاون. في 1985 كان جدول الأعمال يتركّز على النفط، الأمن، وصفقات التسليح. في 2025 اتسعت الملفات لتمتد من الدفاع إلى التقنية المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، سلاسل الإمداد، والمعادن الحيوية، وهي مجالات تحدد شكل المنافسة العالمية اليوم. ثانيا: تغير طبيعة الدور السعودي. في الثمانينيات، كانت المملكة تأتي إلى واشنطن كأكبر مصدر للطاقة وحليف يعتمد على التفوق العسكري الأميركي. اليوم، تأتي كقوة استثمارية وصناعية صاعدة تدفع باتجاه شراكات متوازنة. يكفي أن ننظر إلى أجندة التقنية التي ظهرت في مؤتمر الاستثمار المشترك عبر اتفاقيات كثيرة تبرز ثقل هذه الزيارة التاريخية. وكما قال ولي العهد، فإن المملكة تسعى لخلق الفرص الاستثمارية وتعزيز متطلبات النمو الاقتصادي من التقنية المتقدمة. ثالثا: حضور إعلامي أعمق وصدى أوسع. أصبحت زيارات المملكة ذات أثر عالمي يترقبه الجميع، لأن نتائجه يترتب عليه تغير في موازين القوى وتحولا في مواقف الولاياتالمتحدة حول القضايا الحرجة، مثل إعلان الرئيس ترمب ببذل جهود في حل أزمة السودان. كل ذلك يعكس الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمملكة في معادلات واشنطن الجديدة. كانت زيارة الملك فهد عام 1985 محطة مهمة في العلاقات السعودية–الأميركية ضمن خطوط الدبلوماسية العالمية. أما اليوم، فهي زيارة تعيد تشكيل العلاقات الدبلوماسية وموازين القوى لأن العلاقة الثنائية أثبتت أهميتها عبر العقود حسب وصف أكثر من مسؤول أميركي. عالمنا اليوم بحاجة إلى شراكات استراتيجية صادقة ينعكس أثرها على السلام العالمي، وهو ما أثبته الأمير محمد بن سلمان في زيارته إلى واشنطن، مثلما أثبت في محافل أخرى كثيرة أن المملكة أصبحت مشعل إضاءة للعالم.