رغم تصاعد وتيرة الاضطرابات الجيوسياسية، والتقلبات السوقية التي أنهكت جسد الاقتصاد العالمي في عام 2023، إلا أن بعض السلع الأساسية ظلت في الاتجاه الصعودي رأساً، وكان الذهب ضمن أكبر الرابحين، فقد حلق المعدن النفيس مرتفعاً 13.2 %، ليتم تداوله فوق 2000 دولار للأوقية، بينما حقق بيتكوين قفزة سعرية بنسبة 160 %، ليتم تداوله فوق 43 ألف دولار، أما في البورصات المالية، فقد ارتفع السوق الأميركي 23 %، حيث تأتي بورصة ناسداك في المقدمة، عبر تسجيل ارتفاعات بنسبة 41 %، ومؤشر داو جونز الصناعي 12.3 %، بينما صعد مؤشر نيكاي الياباني 26 %، وقفز مؤشر داكس في بورصة فرانكفورت الألمانية 20 %، ومؤشر فوتسي في بورصة لندن 2.6 %، ومؤشر كاك في بورصة باريس 17 %، أما الين الياباني فيأتي في عداد الخاسرين حيث سجل تراجعاً بنسبة 8 %، أما الجنية الإسترليني فمرتفع 5.6 %، وكذلك اليورو الأوروبي صعد 2.6 %، فيما هبط مزيج خام برنت 10 %، حيث يتم تداوله قرابة 79 دولاراً، وعموماً، فقد منيت مؤشرات السلع الأساسية بأكبر خسائرها خلال خمس سنوات، متأثرة بضغوط انخفاض الغاز الطبيعي والفحم والحبوب. ولكن، لماذا كان 2023 عاماً صعباً لمعظم السلع الأساسية؟ وحتى نستطيع الإجابة يجب أن ننوه أولاً، إلى حجم التراجعات وأسبابها، وعلى سبيل المثال، انخفض مؤشر الاستثمارات في السلع الأساسية بنسبة 10 % منذ بداية العام الجاري، وسجل قطاع الطاقة أكبر انخفاض، مع تراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز جي إس سي آي" 12 %، في الوقت الذي خسر فيه مؤشر بلومبرج للسلع، والذي يتتبع 24 سلعة 12 %، بالإضافة إلى تدني مؤشر بلومبرج الفرعي للطاقة بنسبة 24 %، وكلا المؤشرين سجلا أكبر هبوط سنوي لهما منذ عام 2018، وعلى ما يبدو، فإن قطاع السلع الأساسية أظهر طبيعته الحقيقية، من خلال تأثره الكلاسيكي بالطقس وظاهرة النينيو، سواء عبر الحصاد أو الأسعار، أو العرض والطلب، ولذا، لا يجب أن نتفاجأ كثيراً بحجم الخسائر التي منيت بها أسواق السلع الأساسية، فهناك ما هو أكثر بكثير من مجرد الطقس السيئ، ويكفي الإشارة هنا فقط إلى تجميد روسيا لاتفاقية تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، خلال شهر يوليو الماضي، مما عطل ملايين أطنان الحبوب في الموانئ الأوكرانية. تألق المعدن النفيس شهد عام 2023، تألقاً لافتاً للذهب الذي ارتفع بنسبة 13.2 %، ومع توقف أسعار الفائدة مؤقتاً، ثم انخفاضها بنهاية المطاف، وتراجع الدولار، واستمرار تدني معدلات التضخم، سيستمر تألق المعدن النفيس في الحفاظ على سمعته الطيبة، وإذا تمكن من الصمود فوق أعلى مستوياته على الإطلاق، فمن المرجح أن يواصل بريقه في عام 2024، أما السلع "الناعمة"، التي تتم زراعتها، وليس استخراجها، فقد ارتفعت بقوة هذا العام، وعلى سبيل المثال، فإن عصير البرتقال المجمد، لامس أعلى مستوياته على الإطلاق عند 4.258 دولار للرطل، مع ارتفاع الأسعار بنحو 78 % منذ بداية العام، والعلامة التجارية لعصير البرتقال هي منتجات تروبيكانا، والتي تحظى بحضور كبير في أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا الوسطى والعديد من الدول العربية، وقد لاقت أسعار عصير البرتقال الدعم بسبب مخاوف العرض المتعلقة بالطقس، أما أسعار عقود الكاكاو الآجلة فارتفعت 65 %، بسبب مخاوف الإمدادات الناجمة عن اضطرابات غرب أفريقيا. وفي قطاع الطاقة، خالف اليورانيوم الاتجاه السائد بين نظرائه مدعوماً بارتفاع أسعار الوقود النووي، وبلغت أسعار اليورانيوم الفورية 89 دولارًا للرطل، وهذا هو أعلى سعر يسجله المعدن منذ يناير 2008، ويمثل ذلك ارتفاعًا سنوياً بنسبة 85 %، والعامل الأكبر الذي يؤثر على سوق اليورانيوم في الوقت الحالي هو إقرار مجلس النواب الأميركي لمشروع قانون يحظر واردات اليورانيوم الروسي، وبالرغم من أن مشروع القانون لا يزال معلقاً حتى الآن في مجلس الشيوخ، إلا أن هناك دلائل على أنه سيتم إقراره خلال شهر يناير المقبل، وهذا الأمر، دفع بالعديد من المشترين الرئيسين إلى تخزين كميات كبيرة من اليورانيوم، وإذا أصبح الحظر الأميركي على الواردات الروسية قانوناً، فسوف يؤدي ذلك حتماً إلى قفزات سعرية جديدة. من جهة أخرى، تراجعت أسعار بعض السلع الأساسية، مثل الفحم والغاز الطبيعي، حيث خسرت العقود الآجلة للفحم نحو 48 % هذا العام، ولا يشي المستقبل بخير لهذا القطاع التاريخي، إذ من المتوقع أن ينخفض الطلب على الفحم بسبب التوجه العالمي المحموم نحو استخدام الطاقة النظيفة، والتي ستلعب دوراً أكبر في الأعوام المقبلة، بل إن المعطيات تشير إلى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ستولدان خلال عام 2024 طاقة أكبر من الفحم لأول مرة على الإطلاق في الولاياتالمتحدة، أما العقود الآجلة للغاز الطبيعي فقد خسرت 44 % هذا العام، وبالرغم من أن أسهم شركات الغاز المتداولة في بورصة نيويورك سجلت مكاسب بنسبة 22 % في شهر أكتوبر، إلا أنها لم تصمد كثيراً حيث تقهقرت بشكل حاد خلال الشهرين الأخيرين، ولا شك أن الإنتاج الأميركي القوي من الغاز، بالإضافة إلى البداية الدافئة للموسم الشتوي الحالي سيضغط على أسعار الغاز الطبيعي، والتي تحوم الآن حول 2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ونأتي إلى مجمع الحبوب، حيث يقود الذرة والقمح الانخفاضات السعرية، فالعقود الآجلة للقمح يتم تداولها في بورصة شيكاغو بانخفاض 21 %، والعقود الآجلة للذرة سجلت خسارة بنسبة 30 %، وهذه تعد من كبرى المفاجآت في سوق السلع الأساسية، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعد الدولتان المتحاربتان منطقة مهمة للغاية بالنسبة لإمدادات الذرة والقمح، ولهذا كان من الطبيعي أن تظل الأسعار مرتفعة بسبب مخاوف نقص المعروض، إلا أنهما خالفا تلك التوقعات في مفاجأة من العيار الثقيل، بسبب زيادة الإنتاج في أميركا الشمالية والجنوبية، المدعوم بتحسن الطقس، وتباطؤ الطلب، وقد تكبدت أسعار الذرة وفول الصويا، على وجه الخصوص، خسائر كبيرة. وعلى صعيد أسواق الطاقة، تراجع خام غرب تكساس الأميركي 9 %، في حين انخفض خام برنت 10 %، وإذا تم إغلاق طريق الشحن في البحر الأحمر وقناة السويس لفترة طويلة، فسترتفع أسعار الحبوب والنفط، إلا أن الواقع الراهن يشير إلى أن أسعار البترول سجلت هذا العام أول انخفاض سنوي منذ ثلاث سنوات، وقد تكون العودة إلى مستوى 100 دولار للبرميل بعيدة المنال في أوائل عام 2024، وقد ساهم خفض السعودية الطوعي للإنتاج بمقدار مليون برميل يومياً، وتعهد روسيا بخفض إمداداتها بمقدار 300 ألف برميل يومياً، ساهما في ارتفاع أسعار النفط هذا العام، ومع ذلك، تظل الطريقة الوحيدة لارتفاع الأسعار مرة أخرى إلى 100 دولار للبرميل، مرهونة بتصعيد كبير على الجبهة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مما يهدد بانقطاع الإمدادات، وهنا سترتفع الأسعار بشكل قوي. من المفيد أن نذكر هنا ملاحظة أساسية، وهى أنه بالرغم من أن الاقتصاد العالمي يعتمد بقوة على قطاعات السلع الأساسية، إلا أنها لا تقترب بحال من الحجم الهائل لسوق النفط، حيث يصل إنتاج الخام السنوي من 30 مليار برميل، ويتجاوز حجم السوق البترولية تريليوني دولار، وفي المقابل، فإن سوق أكبر 10 أسواق للمعادن تبلغ 967 مليار دولار فقط، أي أنها أقل من نصف حجم سوق النفط، وحتى لو أضفنا جميع أسواق المعادن الخام الأصغر، فإن الأسواق النفطية ستظل أكبر بكثير، وللمقارنة، فإن حجم الإنتاج السنوي من خام الحديد يصل إلى 2.6 مليار طن، تحقق 283.4 مليار دولار، أما الذهب، فإن إنتاجه السنوي يبلغ 3100 طن تحقق 195.9 مليار دولار، فيما يصل إنتاج النحاس سنوياً إلى 22 مليون طن، تحقق 183.3 مليار دولار، بينما يبلغ الإنتاج السنوي للألومنيوم 69 مليون طن، تحقق 152.6 مليار دولار، أما النيكل فإن حجم الإنتاج السنوي منه يبلغ 3.3 مليون طن، تحقق 68.8 مليار دولار، فيما يصل الإنتاج السنوي من الزنك 13 مليون طن، تحقق 30.9 مليار دولار، ثم الفضة ب 26 ألف طن سنوياً، تحقق 19.9 مليار دولار، أما الموليبدنوم فيصل إنتاجه السنوي إلى 250 ألف طن، تحقق 12.9 مليار دولار، فيما يبلغ إنتاج البلاديوم السنوي 210 طن، وهذه تحقق 9.5 مليار دولار، ثم الياقوت الذي يصل إنتاجه السنوي إلى 4.5 ملايين طن، وتحقق 9.2 مليارات دولار.