نجح مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - في تحقيق ما تنشده الرعية من جمع للرأي وكرامة ومساواة وعدل فتولدت قناعة لدى قبائل جزيرة العرب وسكانها بأنها لن تجد أفضل من أسرة آل سعود لحكمها وقيادتها، وتوارثت الأجيال السعودية ذلك الاقتناع الذي يظهره حبهم وولاؤهم وسمعهم وطاعتهم لولاة أمرهم وحكامهم من آل سعود، الذين تميزوا عن غيرهم بتحقيق الأمن والحماية لرعيتهم ونشر العدل وضمان تحصلها على الأساسيات اللازمة للحياة، وعرف المؤسسين من تلك الأسرة الكريمة أهمية البعد الاقتصادي ودوره المهم للدولة فعملوا على توفير الأمن الاقتصادي وجعلوه ركنا أساسيا في كل مرحلة من المراحل الثلاث التي مرت بها الدولة السعودية، وفي هذا العهد الزاهر الذي منّ الله تعالى فيه بالخير الجزيل على مملكة العطاء والإنسانية يظهر ذلك بوضح على جميع الأصعدة وفي شتى المجالات. وشهدت مباني حي الطرفية الذي استحدثه الإمام محمد بن سعود في سمحان بالدرعية عند تأسيسه للدولة السعودية الأولى في منتصف عام 1139ه (1727م) والتي استمرت إلى عام 1233ه (1818م)، ظهور أول نظام مالي سعودي قال المؤرخون وخصوصا المستشرقون منهم بأنه نظام مميز وازن بين الموارد والمصروفات، تم فيه تسخير جل بيت مال الدولة لخدمة الرعايا وأمنهم وبناء اقتصاد يخدم الدولة ويحميها، وكانت أكثرية مصادر بيت المال حينها من مال الزكاة التي شكلت موردا ضخما بدلالة ما ذكره الرحالة والمؤرخ السويسري جون لويس بركهارت حول بلوغ زكاة الدولة السعودية الأولى نحو مليوني ريال ومن خمس الغنائم ومن الفيء. مؤشرات كثيرة لا تحتاج لمراجعة أو تدقيق يدركها الجميع تؤكد النجاح الاقتصادي الذي عاشته الدولة السعودية الأولى في مقدمتها تمكنها من التوسع لتشمل غالبية جزيرة العرب خلال مرحلة طغيان الإمبريالية والتنافس التوسعي على مستوى العالم ومنها آثار العمارة التي ما زالت قائمة حاليا في عاصمتها الدرعية كحي غصيبة التاريخي وحي طريف المسجل في قائمة التراث الإنساني في منظمة اليونسكو ومنطقة البجيري وسوق الدرعية، تلك العمارة شواهد يستشف زائرها اليوم أسلوب الحياة في عاصمة دولة قوية هابتها الإمبراطوريات وترصدتها خشية تواصل توسعها، ومن تلك المؤشرات القيمة المرتفعة للزكاة التي كانت تجبى من مختلف أقاليم جزيرة العرب وهي زكاة المواشي والثمار والعروض تجارة وغيرها. أمنت الدولة السعودية الأولى لرعاياها الأرض وطبقت أحكام الشرع بحذافيرها على كل مخالف فتوحدت جزيرة العرب واستتب الأمن في مواقع الناس وأماكنهم وعلى طول طرق قوافل التجارة والسفر فازدهرت التجارة وحركة السفر لتلقي العلم وطلبه، وشهدت تلك الحقبة رواجا للعديد من الصناعات والمهن من بينها على سبيل المثال، العمارة والتشييد وحياكة الصوف واستخراج الملح وصناعة بناء السفن والقوارب واستخراج اللؤلؤ وصناعة الحبال، وصناعة عصر الزيوت وصناعة الحلي والخرازة والخصافة وغيرها وتعامل الناس بشتى أنواع العملات المختلفة والتي منها الفرنسية، والهندية، والإيطالية، والنمساوية والعثمانية وكان دولار ماريا تريزا المعروف في نجد بالريال الفرانسي أو الريال مجازاً من أشهر تلك العملات وقد قام الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد آل سعود بسك نوع من النقد في مكةالمكرمة خلال الفترة من 1219ه إلى سنة 1228ه. الدولة السعودية الثانية أعادت لسكان جزيرة العرب أمنهم المفقود وتطلعت القبائل وسكان جزيرة العرب من جديد لاستعادة أمنهم وطيبة عيشهم التي فارقوها لحظة سقوط الدولة الأولى، فكان الموعد في عام 1240ه (1824م) حين لم يخيب الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود - يرحمه الله - ذلك الرجاء وتلك التطلعات فأعاد تأسيس الدولة السعودية في حقبتها الثانية مستمرا بنهج حكام أسرة آل سعود وديدنهم في الحرص على تحقيق الأمن والحماية لرعيتهم ونشر العدل وضمان حصول الجميع على الأساسيات اللازمة للحياة. حرص الأئمة ولاة الأمر السعوديون في دولتهم الثانية على الاستفادة من تجربة دولتهم الأولى ويظهر ذلك بوضوح في ما ذكره ريتشارد بايلي وايندر في كتابه المملكة العربية السعودية في القرن التاسع عشر ميلادي (إن عائلة السعوديين أفرزت في اللحظات الحاسمة أقوى الأشخاص الذين يتمتعون بالفطنة وقوة الطباع والذين تمكنوا من السيطرة على مختلف العناصر الانفصالية في مملكتهم الشاسعة واستطاعوا أن يؤمنوا العدالة الصارمة)، وانتقلت عاصمة الدولة إلى الرياض سائرة في رحلة توطين بادية جزيرة العرب وتحضرها وما زالت كثير من القصور والمساجد الأثرية كقصر المصمك شاهدة على حركة عمرانية جيدة في تلك الحقبة. وبذلت الدولة السعودية الثانية الجهد الكبير في مرحلة تميزت بتفشي بالنزاعات القبلية الإقطاعية التي تذكيها الأطماع الدولية، واستمرت مداخيل بيت مال الدولة من مصادره الثلاث الزكاة والغنائم والفيء وقدر المستشرق ويليام غيفورد بالغريف الدخل العام للدولة بنحو 160 ألف جنية إسترلني وحرص الأئمة على تهيئة الحال للمزارعين والتجار فنشطت تلك المهن وازدهرت كثير من الأسواق التجارية في العديد من المدن مثل سوق الرياض الذي كان على مساحة فسيحة تضم الحوانيت والمستودعات، وحصل خير من تصدير الخيول العربية كما ازدهر صيد اللؤلؤ وصناعته، وتداول الناس ريال ماريا تيريزا والشلن الإنجليزي والنقود العثمانية والفارسية الذهبية والفضية، والنقود الهندية، وعملات يصكونها من النحاس ويضيفون إليها قليلا من الفضة، ونقود طويلة فضية. عبدالعزيز وحد المملكة واضعا في أولوياته أمنها الاقتصادي عشر أعوام عاشها الإنسان في جزيرة العرب وهو يعاني من التشتت والفرقة وعدم الاستقرار على إثر سقوط الدولة الثانية ويكفي وصفا لذلك الحال قول المستشرق الأوربي ألويس موسيل (كان الحضر جميعا يحنون إلى سلطة قوية تحمي أموالهم وحياتهم)، ثم استقبلت جزيرة العرب في عام 1319ه (1902م) الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود - رحمه الله - الذي قيضه الله ليؤسس الدولة السعودية الثالثة ويوحدها بمسمى "المملكة العربية السعودية" وعلى شاكلة من سبقه من أئمة أسرة آل سعود وضع "أبو تركي" أمن الإنسان اجتماعيا واقتصاديا في مقدمة أولوياته ويكفي دلالة على ذلك منشوره الصادر عام 1925 والذي ورد فيه «... إن البلاد لا يصلحها غير السكون.. إنني أحذر الجميع من نزعات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار المقدسة، فإنني لا أراعي في هذا الباب صغيرا ولا كبيرا». ولم تشغل المعارك والحروب التي خاضتها الدولة خلال مسيرة التوحيد، الملك عبدالعزيز عن تثبيت دعائم الأمن والقضاء على الفتن التي تثور بين القبائل فمهد للأمن الاقتصادي الذي يتيح للرعية التحرر من الخوف والحاجة، وعمل على تأمين المجتمع من الفقر والجوع والمرض وسخر جهوده لتوفير حاجات الناس ومساعدتهم على حماية أنفسهم من الأخطار التي قد تواجههم وأغدق في عطاياه لبناء المساجد والمرافق وتوفير الكتب الدينية في مختلف الهجر والقرى التي تدخل تحت مظلة الدولة، وأوجد البيئة الملائمة للعمل والإنتاج فتوسع الناس في أنشطتهم التي كانت مقتصرة قبل ظهور النفط على تربية المواشي والزراعة والتجارة والصناعات البسيطة، وواصل طوال فترة حكمة وضع الأسس والمبادئ والأنظمة التي يشاهدها الجميع في يومنا هذا بمختلف المؤسسات النظامية. ولم يكن اقتصاد المملكة الفتية قبل النفط كما هو بعد ولكن الملك المؤسس وأبناءه من حوله ورجاله المخلصين استطاعوا عبر تسخير الموارد البسيطة والأنشطة البشرية لمواكبة تسارع التطور الذي يشهده العالم وتمكنوا من نشر العدل وبث الأمن وخدمة المجتمع وتجهيزه لتحول كبير وفتح لم يسبق على مر العصور سيجود به الله، وكانت البنية التحية آنذاك ضعيفة لا طرق معبدة ولا كهرباء ولا سيارات ولا مرافق وجل الاعتماد على العائدات المعتادة من دخل الزراعة والرسوم وعائدات الحج، ورغم صعوبة السفر بسبب تلك البنية الضعيفة ساد الأمن ويدلل على ذلك ما ذكره الكاتب شكيب أرسلان الذي حج في عام 1348 ه، حيث قال "إنه ما أن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز - رحمه الله - مكةالمكرمة، والذي كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعوية لا سيما منطقة مكةالمكرمة والمدينة المنورة وأضاف: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه». وجاد الله على الملك عبدالعزيز الذي أحسن فأحسن الله عليه وعلى رعيته، وكان الموعد في العام 1938م مع باكورة إنتاج النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 التي أطلق عليها اسم "بئر الخير"، وكان الملك المؤسس عند حسن الظن فباشر استغلال ذلك الخير المتدفق لوضع أسس نهضة المملكة العربية السعودية، وسخر الموارد المتنامية من تزايد تدفق النفط لتنمية المجتمع السعودي وتعليم أبنائه وتوطينهم في بيئة حضرية تواكب التقدم الذي يعيشه العالم فعم التطور بفضل سياسته عموم مناطق المملكة وازدهرت الطرق وبدأت حركة إنشاء الموانئ والمطارات لتسهيل حركة التجارة والسفر وبدأت أعمال التوسع في المدن وعمارة الحرمين الشريف، وباشرت المملكة العربية السعودية في عهد المؤسس وأبنائه من بعده بدعم من صناعة النفط السعودية المنشأة حديثًا التقدم صوب مكانتها المتقدمة دوليا كوجهة للعالم الإسلامي وقائد للأمة العربية ومركز حضاري له ثقله العالمي. وفي وقتنا الحالي يواصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهد الأمين محمد بن سلمان - حفظهما الله - السير في نفس النهج المؤكد على أهمية توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي عبر تسخير جهود الدولة ومواردها لذلك متسلحين برؤية المملكة 2030م التي تم إقرارها في عام 2016م؛ لتكون بمثابة تصحيح للمسار الاقتصادي في المملكة، وأثمرت تلك الرؤية عن نجاحات غير مسبوقة يدلل عليها تسجيل الموازنة العامة للسعودية للعام المقبل 2022 التي أقرّها مجلس الوزراء مساء الأحد 12 ديسمبر فائضاً مالياً قُدِّر ب90 مليار ريال (23.99 مليار دولار)، إذ خُمّنت الإيرادات للعام المقبل ب1540 مليار ريال (277.21 مليار دولار)، في حين بلغت المصاريف 955 مليار ريال (254.56 مليار دولار). وستبقى علاقة حب والولاء والسمع والطاعة ميزة وعقيدة لسكان جزيرة العرب رعايا الدولة السعودية تجاه ولاة أمرهم وحكامهم يقابلها آل سعود بالحب والإخلاص والتفاني في العمل، ويظهر ذلك بوضح في قول الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - يحفظه الله - "لا توجد أسرة أو قبيلة في هذه البلاد إلا ولآبائها أو أجدادها مشاركةٌ فاعلة في توحيد البلاد وبنائها وتعزيز قوتها ورسالتها، والجميع في هذا الوطن جزء لا يتجزأ من هذا الإنجاز التاريخي لهذه الدولة المباركة وأسهم حقيقة في بنائها ووحدتها وتماسكها". آثار سمحان شاهد على نهضة اقتصادية لدولة هابتها الإمبراطوريات