على ضوء هذه المعاني التي تدور حولها الحريةُ ومشتقاتُها الكبرى في لسان العرب -وهي الاصطفاء والوسطية والعدالة والسَعَة والجمال والعزة والشرف- سأبني فكرة حُرّية اللغة في القرآن، متناولاً بعضَ مظاهر هذه الحرية، كحرية حقيقته اللغوية، وحرية تأليفه، وحرية دلالته، وحرية سياسته اللغوية، وحرية تَلَقِّيه ونحو ذلك مما يتعلق بالموضوع. أما حقيقته اللغوية فقد حار الناس فيها قديماً وحديثاً، حتى المؤمنون بأنه كلام الله، فلا يعدو التعريفُ الشائع للقرآن التقريبَ الدراسي، وذلك كقولهم مثلاً في تعريف القرآن: «كلام الله المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المفتتح بالحمد والمختتم بالناس»، لكن لا يوجد مَن أدرك حقيقة ذلك الكلام الإلهي. وقد حار الجاهليون حين سمعوا القرآن يُتلى عليهم هل هو شعر أو سحر أو كلام كُهّان أو هذيان جِنّان! وحار البلاغيون والمتكلمون في تفسير إعجازه وتأثيره العظيم في كل نواحي الأفراد والمجتمعات، فبعضهم جَعَله في لفظه، وبعضهم جعله في معانيه، وآخرون رفضوا هذا التمزيق وحاولوا كشف السر من خلال مقالة «النظم»، وأبرزهم عبدالقاهر الجرجاني الذي طار فرحاً بما ظنه كشفًا في دلائله حتى قال في أبيات له: إني أقول مقالًا لستُ أُخْفيهِ ولستُ أرهبُ خصْمًا إنْ بدا فيهِ ما مِن سبيلٍ إلى إثبات معجزةٍ في النظم إلا بما أصبحتُ أبديهِ فما لِنَظمِ كلامٍ أنتَ ناظمُهُ معنًى سوى حُكمِ إعرابٍ تُزَجِّيهِ .. فحَصَر الإعجاز البياني في النحو، لكنه غفل عن أن هذا الكشف المزعوم يستلزم إمكان الإتيان بمعجز مثله! فإذا كان سرُّ الإعجاز البياني في قوله تعالى «ذلك الكتاب لا ريب فيه» هو في نظمه النحوي صار قولنا: «ذلك القرآن لا شك فيه» مساوياً في الإعجاز للآية، لأن الأحكام الإعرابية واحدة، وحاشا أن يكون هذا. وبعضهم -وهم المعتزلة- أراحوا أنفسهم فقالوا بالصَرْفَة، أي أن البشر قادرون على الإتيان بمثل القرآن ولكن الله صَرَفهم عن ذلك! كما حار كثير من الأصوليين في تحديد دلالات القرآن هل كلها حقيقة أو فيها حقيقة ومجاز؟ وبعض المُحْدَثين جعلوا القرآن قسيماً للشعر والنثر، فقال أحدهم: الكلام شعر ونثر وقرآن. أما المستشرقون فقد خاضوا في القرآن خوضاً طويلاً وليس أحد منهم على ثقة مما اعتقده في حقيقة القرآن بدءًا من كبيرهم نولدكه إلى معاصريهم الآن. إن القرآن يتعالى على التحديد الإنساني، لسبب بيّن هو أنه كلام الله، وكلام الله صفته، وصفاته لا يدرك حقيقتها إلا هو سبحانه، ولذا كان من المفهوم جدًا حديثُ القرآن عن نفسه مبيِّنًا تيسيرَ حقيقته للعالمين ليكون مهيأ لإيصال رسالته من الفهم والتذكّر والتبشير والإنذار، فقال تعالى: «فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لُدًّا» وقال «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر». وتيسير الله تعالى قرآنَه للعالمين يعني أن لله كلاما آخر يستحيل على الإنسان أن يتواصل معه، لأنه لم يُيَسَّر له ذلك، ككلامه الذي يَخلُق به الأشياءَ، وكلامه للملائكة، وكلامه الذي يخاطِب به مخلوقاته الأخرى أو يُوحِي به إليها، وهذا يعني أن لغة القرآن نمط من الكلام الإلهي الخاص بمخاطبة مَن أُرْسِلَ به إليهم، فلله سبحانه أنواع من الكلام لا يحصيها إلا هو، وكما ييسر كلامه للإنسان كذلك ييسِّر كلامه لمخلوقات أخرى غير الإنسان، فأصبح الكلام الإلهي منطوياً على ضرب من ضروب الحرية وهو الغزارة والسعة، وهذا من لوازم اسمه «الواسع» سبحانه، فلا يمكن وضعُ لغة القرآن تحت أيّ تصنيف أو تحديد بشري، إلا لأجل الدراسة فقط، فالإنسان يمكنه وضع مصطلحات وإجراءات لدراسة لغة القرآن وتحليلها، لكنه ينسى لطول إلفِه مقاصدَ أوضاعِه، فيظن مثلاً أن ما سماه «حقيقة» و»مجازا» هو كذلك عند الله الذي هو المتكلم بهذا القرآن! في حين أن كلام الله ينطوي على علمه، والله يتكلم بعلمه الذي يستحيل علينا الإحاطة به، فحين يقول مثلا «جداراً يريد أن ينقض» فالإرادة هنا حاصلة كما عبر عنها القرآن، وكما هي في علم الله وواقع خلقه، ولا ينافي ذلك قولنا حسب مناهجنا التحليلية إن التعبير هنا مجازي، فهذا حسب فهمنا وإدراكنا ومقاصدنا، وحسب أعراف اللسان العربي المبين الذي أنزل به القرآن، ولا حرج علينا في ذلك ما دامت مناهجنا ومصطلحاتنا تنجز مقاصد الفهم والإفهام لدينا ولا تؤدي إلى خلل أو تحريف، ولكنا نكون واهمين حين نظن أن مفاهيم «الحقيقة» و»المجاز» التي وضعناها -وكذلك كل آليات علوم العربية والأصول- يمكن لها أن توصلنا إلى إدراك حقيقة الكلام الإلهي، لأن معنى ذلك –لو صدق وهْمُنا- أن عِلْم الله تعالى خاضع لمفاهيمنا، ومبنيّ على قوانيننا!