في الثلاث حلقات الماضية استعرضنا ما ذكره المؤرخ وليام فيسي مدير مركز لندن للدراسات العربية في كتابه «الرياضالمدينة القديمة» عن مدينة الرياض عندما قرر الملك سعود غفر الله له إعادة هيكلة المدينة حتى تعكس مكانتها كعاصمة لأمة ووطن جديد، وبدأ فعلاً تنفيذ الخطة التي أحدثت تغييرًا سريعًا وتوسعًا تجاوز أسوار المدينة القديم واستكمالاً لما ذكر من تفاصيل سابقًا يختم وليام كتابه في قوله: كانت مهمات الرياض كمدينة تتنوع بسرعة؟ وليس هناك مثال أكثر وضوحًا من تطور التعليم في الخمسينات، فقد أنشئت المدارس الابتدائية والثانوية بسرعة، كما أنشئت المعاهد العلمية المتخصصة في التعليم الديني وكليتا الشريعة واللغة العربية. وفي سنة 1957م افتتحت جامعة الرياض في الملز اسمها الآن (جامعة الملك سعود)، وانتقلت إلى مبانيها بالدرعية وتسببت في تزايد تعمير هذه المنطقة. ومع أن الرياض كما يقول ظلت بصفة أساسية - مركزًا سياسيًا وإداريًا، فقد نمت فيها منطقة صناعية جنوب محطة سكة الحديد، وتتوافر هناك الحرف الضرورية لخدمة المدينة المتنامية: ورش إصلاح السيارات - مواد البناء - وحرف مثل النجارة والسباكة والكهرباء. ولما كان من البدهي أن يعتمد كل هذا النمو، على مصادر مياه كافية، فقد ثبت كما قال أن الرياض محظوظة نسبيًا مع تزايد عدد سكان الرياض، الذي بلغ سنة 1955م (106,000) نسمة، ثم ارتفع في 1965م إلى (231,000) نسمة. إذا ما علمنا أن المياه أواخر الأربعينات (1940)م وأوائل الخمسينات 1950 أقيم لها محطات ضخ في الحائر عند مجمع مسايل في وادي حنيفة على بعد 32 كيلومترا جنوب العاصمة وفي وادي نمار عند ملتقاه في وادي حنيفة جنوب واحة الرياض مباشرة، كما أقيمت محطة ضخ ثالثة في عرقة شمال الرياض. لقد استنزفت هذه المضخات بحسب فيسي سطح الماء الجوفي، لكنها سدت الاحتياجات المدينية النامية طيلة عقد الخمسينات. وبعد وقت قصير أصبحت بحاجة إلى زيادة على أنه تم اكتشاف مخزون جوفي هائل في الحجر الرملي المنجور على عمق 800 متر تحت وادي حنيفة في منطقه الرياض. ومنذ سنه 1960 فصاعدا غاصت أربع آبار عميقة في هذه الطبقة الأرضية لتوفر معظم احتياجات الرياض من الماء. إن قصة تطور الرياض كما يصفها حتى اليوم قصة أخرى؛ إذ تسارعت منذ سنة 1973م بشكل مذهل تجاوز معظم التنبؤات وأطلق على المدينة بإنصاف أكبر موقع بناء في التاريخ الإنساني، وأصبح تطورها أكثر تنظيما منذ أن وضعت بعد ذلك خطة تنمية المملكة الخمسية في 1970م وخطة الرياض الشاملة لتنظيم نمو الرياض إلى سنة 2000م ومساحة المدينة وفق مجال خطة الرياض الشاملة لا تقل عن 304 كيلومترات مربعة قائلا: حقا إنه بون شاسع بينها وبين المدينة النجدية الصغيرة ذات الأسوار الطينية التي حلت محلها لمدة لا تتجاوز كثيرا 40 سنة. ويمضي إلى أن المخططين والمعماريين والمصممين والمهندسين المدنيين من كل أنحاء العالم ساهموا حينها في تصميم شكل ومظهر الرياض الجديدة. على أن شيئا ما من روح العاصمة القديمة لا يزال حيا وموقع المدينة القديمة المسورة يشكل تقريبا مساحة يسيرة وسط العاصمة الجديدة. ومع ذلك ما زال يشكل قلبها. ولا يزال يعد وسط المدينة من قبل مواطنيها وزوارها الذين يتجولون في ميدان الديرة، والذين يصلون في الجامع، والذين يزورون الإمارة، والذين يتسوقون في الأسواق. مع أن الكثيرين قد لا يدركون أنهم يطأون أرضا تاريخية. ربما أن قصر المصمك الباقي الوحيد من الماضي غير البعيد والبسيط وشديد التقشف، لكن المدينة القديمة تمارس تأثيرها في تخطيط المدينة الجديد. إن الحقائق القديمة قد يمكن لمسها تحت الوجه المتألق لآخر القرن العشرين، ومع هذا فالجامع يقف اليوم حيث وقف دائما، والميدان المركزي القديم لا يزال ساحة مكشوفة يوصل إليه من امتداد شارع الثميري، ويقف مبنى الإمارة الجديد خلف المبنى السابق مباشره. لا يزال على قسم من موقع القصر الملكي القديم للإمام تركي وخلفائه. ويظهر في طرازه ولاء واضح لطراز عمارة المدينة القديمة المسورة. (انتهت) مدينة الملك سعود الطبية 1968م ساعة الصفاة مطار الرياض القديم