الجبال الجليدية تغزو قلب واشنطن دي سي، أكثر من ثلاثين جبلاً شفافاً تطفو بتشكيلاتها الهندسية الهرمية العملاقة هابطة من سماء المتحف الوطني والتي تغطيها شبكة زرقاء تمثل مياه المحيط، مياه تطفو في فضاء متحف العاصمة الأميركية تخترقها قمم الثلوج الصناعية خالقة واحة من البرودة في صيف المدينة القائظ. أنه العمل الفني الهندسي المعماري والذي افتتح يوم 2 يولية 2016 ويستمر حتى الخامس من سبتمبر، من تصميم الفنان المعماري جيمس كورنر James Corner من مواليد عام 1961 ، وقامت بتنفيذ العمل شركة كورنر للتصميم الحضري التي مقرها نيويورك. ولكورنر تاريخه اللميز مع المعمار فلقد تخرج بدرجة شرف من جامعة مانشيستر ميتروبوليتان وحصل على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية من جامعة بنسلفانيا عام 1986، ومنذ ذلك الحين بدأ مشواره العملي حيث ترك بصمة مميزة على العمارة الحديثة بأنحاء العالم، فهو معروف بمشاريعه الفنية الطموحة لصياغة الفضاء المعماري برؤيا جديدة، ولقد نهض بمشاريع شهيرة منها على سبيل المثال مشروع فريش كيل بارك في جزيرة ستياتون لحماية النظم الايكولوجية، ومشروع الهاي لاين في مانهاتن والرويال دوكس بلندن والانترناشيونال جاردن فيستيفال بارك في ليفربول، ولقد حصد العديد من الجوائز العالمية مثل جائزة جينس جينسين من جامعة إيلينوي وشيكاغو عام 1997. العمل جبال الجليد في هدفه الرئيس يسلط الضوء على قضايا البيئة، ويقدم بشكل مبسط نتائج أبحاث تتمحور حول الجليد، ساعياً بالإضافة للقيمة الجمالية التي يقدمها للتوعية بأهمية حماية كوكب الأرض من ظاهرة التغيرات المناخية، ولقد اختار جبال الجليد لأنها أحد الظواهر الملموسة التي تجسد التأثير المدمر للتغيرات المناخية، وذلك للتسارع الواضح في ذوبان الغطاء الثلجي بالقطبين في العقود القليلة الماضية بسبب التسخين الحراري، وما ينجم عن ذلك من ارتفاع منسوب مياه المحيطات وإغراق مناطق من الكرة الأرضية وتصاعد الكوارث البيئية. هذا العمل الفني المعماري الجديد بمتحف واشنطن يعد تحفة في التصميم بتشكيلاته الفخمة المعلقة في سماء المتحف، فهو بالإضافة لرسالته البيئية التوعوية فإنه يوفر للزوار مغامرة جمالية روحية، وذلك بدفعهم لأن يختبروا متاهات عالم ما تحت الماء في القطبين وتلك الكتل الجليدية وماتخفيه من كهوف ومغاور وعالم فريد، أنها دعوة مفتوحة لزيارة قلب جبل جليدي أو التسلق لقممه بارتفاع 19 متراً والانزلاق منها لتجربة المشي على قاع المحيط والقطب واختبار متاهاته في جو من المرح، هو مزيج من اكتساب للعلوم عن ماهية تلك العوالم الجليدية والمتعة، بحيث يتجسد أمام الزوار من مختلف الأعمار والثقافات المفهوم المجرد للذوبان وتأثيره المدمر على البيئة والإنسان. وكما يؤكد الفنان جيمس كورنر فإنه يريد للزوار أن يغوصوا في عالم الجليد كما غاص فيه هو وفريق العمل الذي ساعده، "أنه عالم سحري من النور والألوان والتصميمات الهندسية البديعة الي أبدعتها الطبيعة في الأعماق، وجود مذهل لا مثيل له خارج ذلك الباطن الشفاف، إنه يقود للغوص والتعمق في الماوراء، وبالنتيجة فإنه يُحْدِث تأثيراً مطهراً ويقود لنوع من الشفافية وصقل الوعي الروحي، أنه عالم أشبه بعالم البصيرة، ثراء وجودي تعلمنا منه الكثير، بل ولقد قادنا لاستعمال مواد لم يسبق لنا استعمالها من قبل لتجسيد كتل الثلج الصناعية. مثل مادة البوليكاربونات polycarbonate لصناعة الكتل الهرمية، والبلاستيك المموج المستعمل في إنشاء المشاتل والدفيئات، وكلها مواد قابلة للتدوير والاستعمال بشكل متجدد. تواجه هذه الكتل الثلجية العملاقة وتشعر لكأنما حللت في متحف سماوي، تتعرف على عالم البياض المجهول ذاك، كتل نورانية ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح البحر ويبلغ حجم بعضها عدة أميال، مثل الجبل الجليدي المسمى B15 والذي يمتد 183x23 ميلاً، اكتشف العلماء أنها ليست مجرد شرائح ثلج عبثية طافية مثل أشباح تضرب السفن سيئة الحظ مثل التايتانك وتفجر المآسي، على العكس فإنها كائنات بهدف وجودي، وكما أكد الباحث تيد سكامبوس Ted Scambos الذي تكرس لدراستها فهذه الكتل كائنات في حوار أبدي مع المحيطات، فهي أشبه بكائنات عملاقة تتراقص على وجه الماء وتجر خلفها ذيلاً من الماء العذب وسط محيطات الماء المالح، وبينما تطفو متهادية فإن بياضها الحليبي يختلط رويداً رويداً بالشوائب من معادن تحملها لتحلها في مياه المحيطات وهي ضرورية لنمو الطحالب الضرورية لتغذية الكائنات البحرية الدقيقة التي تتغدى عليها الكائنات الكبيرة، أنه حوار واهب للحياة، بل يساعدها على الرحيل متهادية بحمولتها الثرية المد والجزر في جاذبية الأرض الذي يميل سطح مياه المحيط ويسهل انزلاقها لمقاصدها. مامن شيء يُخْلَقُ عبثاً، وكل المخلوقات متبادلة النفع، يتعلم زوار المعرض كل تلك الحقائق المذهلة عن عمالقة الجليد تلك. هذا وسيفتح المتحف أبوابه في تواريخ محددة لزيارات ليلية حتى الساعة العاشرة مساءً، وذلك ليسمح لأكبر عدد من العائلات للتواجد كجماعات والتمتع بذلك العرض الذي كما يصفه الفنان جيمس كورنر بأنه، "رحلة لعالم آخر، عالم ما ورائي." دعوة مفتوحة للجميع وحتى سبتمبر القادم. شبكة زرقاء تمثل مياه المحيط أكثر من ثلاثين جبلاً شفافاً بتشكيلاتها الهندسية الهرمية العملاقة رجاء عالم