أمل «العين».. «أبها»    سلطان بن سلمان يبحث التعاون مع هيئة الصناعات العسكرية    البورصة العراقية تغلق مرتفعة    هيئة الاتصالات تعقد ورشة عمل تعريفية حول تراخيص «قطاع الخدمات البريدية اللوجستية»    الأردن تدين استمرار الانتهاكات ضد المسجد الأقصى وتوجه مذكرة احتجاج لإسرائيل    وفاة والدة صاحب السمو الملكي الأمير مشاري بن منصور بن مشعل بن عبدالعزيز    الانضباط تبرئ عبدالرزاق حمدالله    طالبات المملكة يحصدن 4 جوائز عالمية في الأولمبياد الأوروبي للرياضيات    "الشؤون الإسلامية" تدشن مشروع خادم الحرمين لتفطير الصائمين بإندونيسيا    الصحة: عدم الحضور في الموعد المحدد للقاح يتطلب حجز موعد جديد مرة أخرى    «الزعاق» يتوقع: مبشرات مطرية على عدة مناطق خلال الساعات المقبلة    أسرة الطيار ترفع الشكر لخادم الحرمين وسمو ولي العهد في التعزية بوفاة والدهم    وزارتي "الموارد البشرية" و " الصناعة والثروة المعدنية" تعلنان إطلاق برامج دعم الأجور لتحفيز توطين وظائف القطاع الصناعي    «الحج والعمرة»: 5 خطوات لأداء العمرة للقادمين من خارج المملكة    «السعودية للكهرباء»: العدادات الذكية ترفع موثوقية الخدمة وأنظمة القراءة والفوترة    الأهلي يتفوق على الأندية الإيرانية    "ميكالي" يُجهز "الهلال" لمباراة "أجمك" بمران تكتيكي    سجاد الحرم النبوي هدية للمرابطين في الحد الجنوبي    أمين العاصمة المقدسة يوجه بتكثيف جهود البلديات خلال شهر رمضان    "الشؤون الإسلامية" تدشن مشروع خادم الحرمين الشريفين لتفطير الصائمين للعام 1442ه بجمهورية إندونيسيا    3101 حالة جنائية خدمها الطب النفسي في مجمع إرادة بالرياض خلال عام    في انتظام سماوي جميل.. اقتران هلال قمر رمضان بالثريا مساء اليوم    الأردن تدين استمرار ميليشيا الحوثي إطلاق طائرات مفخخة وصواريخ بالستية تجاه المملكة    لجنة تحكيم مسابقة الملك سلمان تستمع لتلاوات (21) متسابقاً ومتسابقة في اليوم الثالث من التصفيات النهائية    سفير المملكة لدى الأردن يدشن مشروع توزيع التمور في الأردن    سمو أمير الشرقية يستقبل مدير عام فرع وزارة التجارة بالمنطقة    سمو أمير منطقة جازان يستقبل المحافظين ورؤساء المراكز ومديري الجهات الأمنية    استهتار ومهرجانات وحفلات.. الهند تسبق البرازيل في اصابات كورونا    إجراء أكثر من 6 آلاف عملية جراحية في أقسام العمليات بمستشفيات صحة جازان    مركز الملك سلمان للإغاثة يواصل توزيع السلال الغذائية الرمضانية في لبنان    القبض على مواطن تباهى بتعاطي المخدرات بالرياض    غوارديولا يتألق مع مانشستر سيتي    فيصل بن مشعل يستعرض دور إمارة القصيم في تأهيل وتطوير وادي الرمة    تعليم الطائف يحصد 38 ميدالية متنوعة في مسابقة كانجارو موهبة    مسارين للوقاية من الفيروس في المملكة    بأمر الملك : الأمير مشعل بن ماجد مستشاراً لخادم الحرمين بمرتبة وزير    البتكوين «محرمة وتشبه صالة قمار».. الشيخ المنيع يحدد ثلاث ميزات للنقد    طلاب وطالبات الطائف يشاركون في رصد هلال شهر رمضان    مسؤول أميركي: حزب الله وإيران يمنعان قيام دولة آمنة في لبنان    إصابة 5800 ووفاة 74 بكورونا رغم تلقيهم جرعتي اللقاح في الولايات المتحدة    بالفيديو.. الشيخ "المنيع" يروي قصة أول مناظرة له مع معلمه المصري.. وكيف رد عليه الأخير    بلينكن عن قرار إيران رفع التخصيب النووي: استفزاز    محمية الملك عبد العزيز الملكية تزرع 100 ألف شتلة ضمن المرحلة الأولى من مشروع تشجير المحمية    18 مساراً للطواف ومظلات وكمامة ومناديل معقمة للمعتمرين    النصر يتعادل سلبياً مع الوحدات    «المرئي والمسموع» يسلم الترخيص السينمائي رقم 11    تنشط في رمضان.. التحذير من منشآت تجمع الأموال بحجة حفر آبار بالخارج    «النيابة»: السجن 15 سنة وغرامة مليون ريال عقوبة تسهيل دخول المتسللين    إغلاق 9 مساجد في 5 مناطق.. وإعادة فتح 10    وعد «نايف» يقود أبناء الشهيدين وزنة والمولد لميدان الشرف    الهلال الأحمر بالمدينة يبدأ بتنفيذ برنامج موسم رمضان 1442ه        تحويل كورنيش الأربعين إلى مرافق ثقافية وترفيهية    قيادي كردي: المليشيات أعادت استهداف مطار أربيل        الغيابات تشغل كاريلي قبل مواجهة الباطن    مدرب النصر: من الصعب تغيير الفريق في يومين    بعد 32 عاماً.. شريهان تستعيد تفاصيل حادثتها باستعراض رمضاني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ألف باء الحوار الوطني
نشر في الرياض يوم 29 - 11 - 2005

بدعوة مشكورة من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني كنت من بين المشاركين في اللقاء التحضيري الذي عقد في مدينة الرياض قبل اسبوعين تقريباً، والذي يمثل واحداً من اللقاءات التحضيرية التي عقدت في مختلف مناطق المملكة استعداداً للقاء الوطني الخامس للحوار الفكري الذي سيقام في مدينة أبها في وقت لاحق من هذا العام. اللقاء كان ايجابياً بشكل عام طرح فيه عدد من الزملاء والزميلات فاق عددهم ستين عالماً ومفكراً ومثقفاً ورجل أعمال رؤاهم حول موضوع اللقاء وهو «نحن والآخر»..
وحقيقة لم أكن أخطط لاكتب عن اللقاء ايجاباً أو سلباً.. لا تشريحاً ولا تفكيكاً، ولكني وجدت نفسي اقرأ مرة أخرى واحدة من مداخلتين اثنتين شاركت بهما في الحوار سأوردها في نهاية المقال، ولكن وجدت انها جديرة بمثل هذا المقال. ورأيت ايضاً ان الموضوع «العلاقة مع الآخر» على الرغم من أنه لايزال مطروحاً على مائدة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، إلا انه لن يتوقف على ما ينتجه اللقاء الوطني الخامس من توصيات أو تقرير ختامي، فهو موضوع كان ولايزال مثار خلاف وجدال ليس بين التيارات الفكرية في بلادنا وحسب، بل وبين التيارات الفكرية في معظم دول العالم. فاليابانيون لايزالون يختلفون حول طبيعة العلاقة مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، فالاستسلام العسكري الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية أدى إلى تدخل الحلفاء في إعادة صياغة الدستور الياباني وفي إعادة صياغة الفكر القومي الياباني، ولكن هذا وإن أدى إلى نوع من الاستقرار السياسي، وإلى تركيز الأمة اليابانية لجهودها وطاقاتها في المجال الاقتصادي والتكنولوجي فتفوقت على الغرب وغزت الدول الغازية بمنتجاتها وشركاتها والرساميل الضخمة، إلا أن جذور القومية اليابانية لاتزال تتقد، والرغبة في التخلص من النفوذ الأمريكي لاتزال تلقى رصيداً كبيراً لدى الشعب الياباني.
وفي الغرب ذاته هناك حوار مستمر داخل الثقافة الفرانكفونية - التي تتزعمها فرنسا - للتميز عن الثقافة الأنجلوسكسونية التي تتفوق بلغتها الانجليزية الواسعة الانتشار، وبالنفوذ السياسي والثقافي الأمريكي في معظم دول العالم، وهناك صراع سياسي ودبلوماسي مستمر بين الثقافتين في مناطق النفوذ في آسيا وافريقيا. ويحتدم الجدال في أوروبا الشرقية داخل روسيا ومحيطها الذي لاتزال تسيطر عليه حول كيفية ترتيب العلاقة المستقبلية مع الغرب الرأسمالي المنتصر في الحرب الباردة. والجدل حول «العلاقة بالآخر» لايزال قائماً في أكثر من ركن من أركان المعمورة، فالأمة الصينية بثوبها الجديد لاتزال تتحسس الآن موقعها في العالم وكيفية ترتيب علاقتها مع اليابان «العدو» التقليدي، ومع الغرب الرأسمالي. والأمة الهندية كذلك تطرح علاقتها بالعالم الإسلامي وبالصين وبالغرب على حد سواء على طاولة النقاش والحوار.. وأحسب أيضاً ان الأقليات القومية والعرقية في عدد من المجتمعات لاتزال تطرح قضاياها وعلاقتها مع الآخر على طاولة الحوار والنقاش والبحث والخلاف العلني والمستتر، ولا نستثني الأفارقة في الولايات المتحدة، والآسيويين في كندا، والمهاجرين من افريقيا المستوطنين في أوروبا وغيرهم من الأقليات.
إذن فالحوار والجدال والاختلاف حول «علاقتنا بالآخر» هي ظاهرة صحية وقد أحسن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في فتح هذا الموضوع للنقاش وللحوار بين المثقفين والمفكرين وطلبة العلم، ولكن ما أثارني حقيقة لكتابة هذا المقال هو اختيار الموضوع بهذا العنوان «نحن والآخر» فكلمة «نحن» أضافت إلى الموضوع بعداً جديداً وهو الحديث عن: «من نحن؟»، فاستأثرت محاولة تعريف هويتنا بجزء كبير من الوقت وبجهد كبير من التفكير لدى المشاركين وأضافت إلى قضية تحديد «علاقتنا بالآخر» الكثير من اللغط والخروج عن الموضوعية، مع أن تعريف «من نحن؟» كان يفترض أن يكون قد تبلور بشكل واضح بعد أن قطعنا شوطاً كبيراً في الوحدة الوطنية بعد مرحلة التأسيس وبناء الدولة وقطعنا شوطاً طويلاً في صياغة الهوية الوطنية في برامج التعليم والتثقيف والإعلام.
وعلى الرغم من أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني قد حاول حسم تعريف «من نحن؟» في الكتيب التعريفي للقاء حيث أشار إلى أن «نحن» تعني: نحن السعوديين المسلمين الذين يجمعنا، وطن واحد ونؤمن بدين واحد ولدينا آراء وتوجهات متنوعة، يجمعنا ديننا الإسلام، ويحتوينا وطننا المملكة العربية السعودية، إلا أن هذا التعريف لم يكن كافياً لحسم الجدل حول: «من نحن؟»، فالبعض لايزال يريد تصنيفاً ضيقاً وتعريفاً لا يسع إلا لمذهبه وآرائه الفقهية والفكرية.. والبعض يقبل بذلك التعريف لكنه لايزال يبحث عن مسوغ لإثارة الجدل حول مسلمات وثوابت دينية ووطنية يفترض أن تكون قد حسمها الجدل الفكري منذ زمن بعيد..
إن تعريفنا ل«نحن» لايزال - مع الأسف - مرتبكاً ويشوبه الاضطراب، وما لم نحسم هذا التردد على كافة المستويات الاجتماعية ونؤسس لتعريف واضح للهوية الوطنية، فإننا لا نستطيع أن نؤسس لعلاقة طبيعية مع «الآخر» هذا الآخر سواء أكان عربياً مسلماً، أو كان أجنبياً من الأسرة الدولية. كما أننا سنبقى نراوح مكاننا في معرفتنا بموقفنا على صعيد القضايا العالمية الكبرى وموقعنا من التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية. إننا لابد أن نحسم معرفياً وفكرياً تعريف الهوية الوطنية ليس على مستوى الإعلام الرسمي أو الثقافة الرسمية في المنهج الدراسي وفي المناسبات الوطنية، بل يجب أن نبحث عن الوسائل التي تؤسس لتلك الهوية داخل الأبعاد العميقة للثقافة الشعبية، داخل منظومته الفكرية وعلى مستوى نشاطاته الدينية والاجتماعية والتعليمية.
إننا وعندما يلم بالوطن أزمة معينة، فهو أقرب إلى نقل أرصدته إلى الخارج وربما توارى عن الأنظار في تلك الملمات!! و«الهوية الوطنية» لا تعني لبعض آخر سوى انها مرحلة مؤقتة ومحطة اجبارية يتوقف عندها وهو يبحث عن هوية هلامية لا تستقيم إلا في فكره وعن جماعات متفرقة يحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى!! و«الهوية الوطنية» لا تعني لبعض آخر سوى انها أغنية أو قصيدة إذا ما باح بها أمام الناس فهي شهادة على أعلى مراتب الوطنية وحب الوطن، ولكن ما أن يدلف إلى مكتبه أو مؤسسته أو بيته حتى يتناسى معاني تلك القصيدة العصماء، فلا يرى بعد ذلك سوى أبناء قبيلته أو أبناء عمومته هم من يستحقون مساعدته وواسطاته وعلاقاته الاجتماعية!!
الهوية الوطنية لا يمكن أن تقوم إلا على أسس ثلاثة: الدين الإسلامي وهو المنبع والأساس لقيم المجتمع وثقافته، والعربية كقومية وكلغة لها جذور تاريخية وتقاليد عريقة، والوحدة الوطنية السياسية التي شملها كيان الدولة بحدودها السياسية والجغرافية وبمصالحها العليا، وبارتباطها في محيط اقليمي خليجي عربي، ثم بارتباطها بالأسرة الدولية كدولة لها مصالح عالمية سياسية واقتصادية، ولها مصلحة مؤكدة في استقرار العالم وتحقيق السلم العالمي والتعاون مع الجميع على أسس من العدل والتفاهم وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول سواء أكانت كبيرة أم صغيرة قوية أم ضعيفة..
الجانب الآخر الذي أخذ حيزاً كبيراً في اللقاء التحضيري هو تعريف «الآخر»، وهذه الحيرة في تعريف «الآخر» مرتبطة بالشق الأول المتعلق بمن «نحن»، ولو كنا قد حسمنا موضوع ال«نحن» منذ زمن بعيد ومنذ قيام الدولة الحديثة، لما كان هناك مجال لنتساءل عن من هو «الآخر». هذه الحيرة أضاعت كثيراً من الوقت في اللقاءات التحضيرية للقاء الوطني الخامس ولم تتمكن اللقاءات - فيما أحسب - من طرح اسئلة عميقة أمام مفكري الوطن مثل: ما هي السياسة الواجب تبنيها في علاقتنا مع الآخر، هل هي علاقة تصادم أم علاقة تعايش؟ ثم كيف نتحاور مع الآخر؟ وعلى ماذا نتحاور؟ وما هي منطلقات الحوار وغاياته، هل هي لتثبيت المصالح المشتركة، أم انها لدرء خطر «العدو» ولبيان مكره وخططه لمحاربتنا؟ ومن هو المؤهل لقيادة مشروع الحوار مع الآخر، هل هي المؤسسات الرسمية السياسية، أم المؤسسات الثقافية الشعبية؟ هل هم رجال الأعمال والأموال أم رجال الثقافة والفكر؟ هل هي الجامعات والمؤسسات العلمية أم مؤسسات الصحافة والإعلام؟
اسئلة جوهرية كثيرة غابت عن اللقاءات التحضيرية بسبب أننا لانزال في «ألف باء الحوار الوطني»، أو بالأصح لا نزال في المربع الأول نتساءل عن هويتنا وعن الآخر.. لقد قلت في واحدة من مداخلتين في ذلك اللقاء: «في الوقت الذي دخلنا بعد توحيد المملكة في مرحلة البناء والتنمية وتوطيد العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية وأرسلت البعثات التعليمية وانشئت المؤسسات الإعلامية وفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي وسافر رجال الأعمال والاكاديميون وعامة الناس إلى مختلف بقاع العالم، ثم تم التخطيط للسياحة لتكون مجالاً اقتصادياً واعداً، وأخيراً الانضمام الرسمي لمنظمة التجارة العالمية، إلا أننا نأتي اليوم لنتساءل عن هويتنا وعن أهمية العلاقة مع الآخر، إنني أشعر من خلال ما سمعت وقرأت أننا لانزال في ألف باء الحوار.. فلماذا بقي المجال الثقافي والحضاري متأخراً عن المجال السياسي والاقتصادي؟!! إننا نحتاج إلى تجاوز هذه المرحلة بأسرع وقت ممكن حتى نتمكن من أن ندلف إلى مجالات أكثر جوهرية وحيوية في العلاقة مع الآخر، وأن نؤسس لمشاريع ومؤسسات تدعم علاقاتنا الايجابية مع كافة شعوب العالم وحضاراتها، وبدون الخروج من هذه الدائرة المغلقة فلن نستطيع أن نبني لبلدنا موقعاً في زمان العولمة الذي سبقتنا إليه أمم وأقوام..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.