ارتفاع أسعار النفط مع موجة الجليد التي تضرب أمريكا    المملكة تستضيف خبراء دوليين لصياغة مستقبل الإنسان    المحافظات اليمنية تستقبل منحة المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء    الإعلام البرازيلي يكشف تفاصيل انتقال كايو سيزار من الهلال    إحباط تهريب (23) كيلوجرامًا من مادة الحشيش المخدر في جازان    نائب أمير تبوك يستقبل ممثل فرع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر بالمنطقة    تأكد جاهزية بونو وأكتشيشيك لمواجهة الهلال والقادسية    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    جمعية التكافل الإنسانية بصبيا تُطلق مشروع «إعمار» لترميم منازل المستفيدين    عثمان الصيني أمينًا عامًّا للجائزة السعودية للإعلام 2026    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد يؤكد دعم المملكة للسلام وإعادة الإعمار في غزة    نائب وزير البلديات والإسكان يشرح آلية التحول في القطاع العقاري    نائب أمير جازان يُدشِّن الحملة الوطنية للتطعيم ضد شلل الأطفال    مركز القلب بالقصيم يطلق مبادرة "إشراقة تعافٍ" لدعم المرضى نفسيًا وجسديًا    مقتل 4 فلسطينيين في قصف الاحتلال الإسرائيلي شرق غزة    اليمن: 3 ملايين طفل حرموا التعليم و170 ألف معلم بلا رواتب    المدرب دانجيلو: «أشعر أننا سنرى أفضل مستوياتها هذا الموسم»    بلابل الشعر العربية في أمسية مديد الثالثة بأدبي الطائف    إنفاذًا لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول التوأم الملتصق التنزاني (نانسي ونايس) إلى الرياض    النصر يُعلن تعاقده مع حيدر عبدالكريم    بدء تطبيق المرحلة الثانية من توطين مهن طب الأسنان    تعليم الطائف يحتفي باليوم العالمي للتعليم 2026    العون الخيرية تُطلق حملة بكرة رمضان 2 استعدادًا لشهر الخير    الهلال يحافظ على الصدارة رغم التعثر.. والنصر والأهلي يواصلان الضغط مع ختام الجولة 18    «عمارة المسجد النبوي».. استكشاف التاريخ    «أمانة نجران» تُنجز 12 مشروعاً تنموياً ب117 مليون ريال    هندي يقتل ابنته الطالبة ضرباً بالعصا    دوريات الأفواج الأمنية في عسير تُحبط تهريب (46) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    في روشن.. الاتحاد يعبر الأخدود بشق الأنفس    واشنطن: عناصر داعش المحتجزون بالعراق خطر يطال الجميع    تسعينية تحطم التلفاز دفاعاً عن «أبطالها»    «كرت أزرق» سوداني مصري إلى برلين    انطلاق تحكيم مشاريع نهائيات «إبداع 2026»    وسع سيطرته بالنيل الأزرق.. الجيش السوداني يفك حصار «الدلنج»    إيران تجدد تحذيراتها: أي هجوم سيقود لاضطراب إقليمي    أكد قوة الاقتصاد والنمو غير النفطي..الفالح: 4.7 تريليون ريال الناتج المحلي الإجمالي للمملكة    القيادة تهنئ الحاكم العام لكومنولث أستراليا بمناسبة ذكرى يوم أستراليا    «البروتين».. كنز لكنه مدمر للصحة    الأستراليون يصطفون لمشاهدة زهرة «الجثة»    المهارة التي تسبق شهادتك وتتفوق على خبرتك    كيف تقود المقالات معارك الفضاء الرقمي؟    العيسى في دافوس.. رهان على المشتركات الإنسانية    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    الربيعة يدشن مركز التحكم بالمسجد النبوي    حضور عالمي يتجاوز الظرفية    إطلاق «موسم الشتاء» بمحمية الملك سلمان    سعود بن بندر يهنئ "أمانة الشرقية" لتحقيقها جائزة تميز الأداء البلدي    المملكة تصنع الفرق عالمياً    الجراح من القلب    مركز التحكيم الرياضي السعودي يوقع مذكرة تفاهم مع هيئة التحكيم الرياضي الخليجية    النصر يتغلب على التعاون بهدف في دوري روشن للمحترفين    أحد عشر عاما أعادت تعريف معنى القيادة    برعاية أمير الشرقية انطلاق مؤتمر الرعاية الصحية الأولية بالدمام    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    نوه بدعم القيادة ل«كبار العلماء».. المفتي: المملكة شامخة قوية بسواعد أبنائها    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    الاهتمام بالأسر المتعففة والأيتام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ألف باء الحوار الوطني
نشر في الرياض يوم 29 - 11 - 2005

بدعوة مشكورة من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني كنت من بين المشاركين في اللقاء التحضيري الذي عقد في مدينة الرياض قبل اسبوعين تقريباً، والذي يمثل واحداً من اللقاءات التحضيرية التي عقدت في مختلف مناطق المملكة استعداداً للقاء الوطني الخامس للحوار الفكري الذي سيقام في مدينة أبها في وقت لاحق من هذا العام. اللقاء كان ايجابياً بشكل عام طرح فيه عدد من الزملاء والزميلات فاق عددهم ستين عالماً ومفكراً ومثقفاً ورجل أعمال رؤاهم حول موضوع اللقاء وهو «نحن والآخر»..
وحقيقة لم أكن أخطط لاكتب عن اللقاء ايجاباً أو سلباً.. لا تشريحاً ولا تفكيكاً، ولكني وجدت نفسي اقرأ مرة أخرى واحدة من مداخلتين اثنتين شاركت بهما في الحوار سأوردها في نهاية المقال، ولكن وجدت انها جديرة بمثل هذا المقال. ورأيت ايضاً ان الموضوع «العلاقة مع الآخر» على الرغم من أنه لايزال مطروحاً على مائدة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، إلا انه لن يتوقف على ما ينتجه اللقاء الوطني الخامس من توصيات أو تقرير ختامي، فهو موضوع كان ولايزال مثار خلاف وجدال ليس بين التيارات الفكرية في بلادنا وحسب، بل وبين التيارات الفكرية في معظم دول العالم. فاليابانيون لايزالون يختلفون حول طبيعة العلاقة مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، فالاستسلام العسكري الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية أدى إلى تدخل الحلفاء في إعادة صياغة الدستور الياباني وفي إعادة صياغة الفكر القومي الياباني، ولكن هذا وإن أدى إلى نوع من الاستقرار السياسي، وإلى تركيز الأمة اليابانية لجهودها وطاقاتها في المجال الاقتصادي والتكنولوجي فتفوقت على الغرب وغزت الدول الغازية بمنتجاتها وشركاتها والرساميل الضخمة، إلا أن جذور القومية اليابانية لاتزال تتقد، والرغبة في التخلص من النفوذ الأمريكي لاتزال تلقى رصيداً كبيراً لدى الشعب الياباني.
وفي الغرب ذاته هناك حوار مستمر داخل الثقافة الفرانكفونية - التي تتزعمها فرنسا - للتميز عن الثقافة الأنجلوسكسونية التي تتفوق بلغتها الانجليزية الواسعة الانتشار، وبالنفوذ السياسي والثقافي الأمريكي في معظم دول العالم، وهناك صراع سياسي ودبلوماسي مستمر بين الثقافتين في مناطق النفوذ في آسيا وافريقيا. ويحتدم الجدال في أوروبا الشرقية داخل روسيا ومحيطها الذي لاتزال تسيطر عليه حول كيفية ترتيب العلاقة المستقبلية مع الغرب الرأسمالي المنتصر في الحرب الباردة. والجدل حول «العلاقة بالآخر» لايزال قائماً في أكثر من ركن من أركان المعمورة، فالأمة الصينية بثوبها الجديد لاتزال تتحسس الآن موقعها في العالم وكيفية ترتيب علاقتها مع اليابان «العدو» التقليدي، ومع الغرب الرأسمالي. والأمة الهندية كذلك تطرح علاقتها بالعالم الإسلامي وبالصين وبالغرب على حد سواء على طاولة النقاش والحوار.. وأحسب أيضاً ان الأقليات القومية والعرقية في عدد من المجتمعات لاتزال تطرح قضاياها وعلاقتها مع الآخر على طاولة الحوار والنقاش والبحث والخلاف العلني والمستتر، ولا نستثني الأفارقة في الولايات المتحدة، والآسيويين في كندا، والمهاجرين من افريقيا المستوطنين في أوروبا وغيرهم من الأقليات.
إذن فالحوار والجدال والاختلاف حول «علاقتنا بالآخر» هي ظاهرة صحية وقد أحسن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في فتح هذا الموضوع للنقاش وللحوار بين المثقفين والمفكرين وطلبة العلم، ولكن ما أثارني حقيقة لكتابة هذا المقال هو اختيار الموضوع بهذا العنوان «نحن والآخر» فكلمة «نحن» أضافت إلى الموضوع بعداً جديداً وهو الحديث عن: «من نحن؟»، فاستأثرت محاولة تعريف هويتنا بجزء كبير من الوقت وبجهد كبير من التفكير لدى المشاركين وأضافت إلى قضية تحديد «علاقتنا بالآخر» الكثير من اللغط والخروج عن الموضوعية، مع أن تعريف «من نحن؟» كان يفترض أن يكون قد تبلور بشكل واضح بعد أن قطعنا شوطاً كبيراً في الوحدة الوطنية بعد مرحلة التأسيس وبناء الدولة وقطعنا شوطاً طويلاً في صياغة الهوية الوطنية في برامج التعليم والتثقيف والإعلام.
وعلى الرغم من أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني قد حاول حسم تعريف «من نحن؟» في الكتيب التعريفي للقاء حيث أشار إلى أن «نحن» تعني: نحن السعوديين المسلمين الذين يجمعنا، وطن واحد ونؤمن بدين واحد ولدينا آراء وتوجهات متنوعة، يجمعنا ديننا الإسلام، ويحتوينا وطننا المملكة العربية السعودية، إلا أن هذا التعريف لم يكن كافياً لحسم الجدل حول: «من نحن؟»، فالبعض لايزال يريد تصنيفاً ضيقاً وتعريفاً لا يسع إلا لمذهبه وآرائه الفقهية والفكرية.. والبعض يقبل بذلك التعريف لكنه لايزال يبحث عن مسوغ لإثارة الجدل حول مسلمات وثوابت دينية ووطنية يفترض أن تكون قد حسمها الجدل الفكري منذ زمن بعيد..
إن تعريفنا ل«نحن» لايزال - مع الأسف - مرتبكاً ويشوبه الاضطراب، وما لم نحسم هذا التردد على كافة المستويات الاجتماعية ونؤسس لتعريف واضح للهوية الوطنية، فإننا لا نستطيع أن نؤسس لعلاقة طبيعية مع «الآخر» هذا الآخر سواء أكان عربياً مسلماً، أو كان أجنبياً من الأسرة الدولية. كما أننا سنبقى نراوح مكاننا في معرفتنا بموقفنا على صعيد القضايا العالمية الكبرى وموقعنا من التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية. إننا لابد أن نحسم معرفياً وفكرياً تعريف الهوية الوطنية ليس على مستوى الإعلام الرسمي أو الثقافة الرسمية في المنهج الدراسي وفي المناسبات الوطنية، بل يجب أن نبحث عن الوسائل التي تؤسس لتلك الهوية داخل الأبعاد العميقة للثقافة الشعبية، داخل منظومته الفكرية وعلى مستوى نشاطاته الدينية والاجتماعية والتعليمية.
إننا وعندما يلم بالوطن أزمة معينة، فهو أقرب إلى نقل أرصدته إلى الخارج وربما توارى عن الأنظار في تلك الملمات!! و«الهوية الوطنية» لا تعني لبعض آخر سوى انها مرحلة مؤقتة ومحطة اجبارية يتوقف عندها وهو يبحث عن هوية هلامية لا تستقيم إلا في فكره وعن جماعات متفرقة يحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى!! و«الهوية الوطنية» لا تعني لبعض آخر سوى انها أغنية أو قصيدة إذا ما باح بها أمام الناس فهي شهادة على أعلى مراتب الوطنية وحب الوطن، ولكن ما أن يدلف إلى مكتبه أو مؤسسته أو بيته حتى يتناسى معاني تلك القصيدة العصماء، فلا يرى بعد ذلك سوى أبناء قبيلته أو أبناء عمومته هم من يستحقون مساعدته وواسطاته وعلاقاته الاجتماعية!!
الهوية الوطنية لا يمكن أن تقوم إلا على أسس ثلاثة: الدين الإسلامي وهو المنبع والأساس لقيم المجتمع وثقافته، والعربية كقومية وكلغة لها جذور تاريخية وتقاليد عريقة، والوحدة الوطنية السياسية التي شملها كيان الدولة بحدودها السياسية والجغرافية وبمصالحها العليا، وبارتباطها في محيط اقليمي خليجي عربي، ثم بارتباطها بالأسرة الدولية كدولة لها مصالح عالمية سياسية واقتصادية، ولها مصلحة مؤكدة في استقرار العالم وتحقيق السلم العالمي والتعاون مع الجميع على أسس من العدل والتفاهم وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول سواء أكانت كبيرة أم صغيرة قوية أم ضعيفة..
الجانب الآخر الذي أخذ حيزاً كبيراً في اللقاء التحضيري هو تعريف «الآخر»، وهذه الحيرة في تعريف «الآخر» مرتبطة بالشق الأول المتعلق بمن «نحن»، ولو كنا قد حسمنا موضوع ال«نحن» منذ زمن بعيد ومنذ قيام الدولة الحديثة، لما كان هناك مجال لنتساءل عن من هو «الآخر». هذه الحيرة أضاعت كثيراً من الوقت في اللقاءات التحضيرية للقاء الوطني الخامس ولم تتمكن اللقاءات - فيما أحسب - من طرح اسئلة عميقة أمام مفكري الوطن مثل: ما هي السياسة الواجب تبنيها في علاقتنا مع الآخر، هل هي علاقة تصادم أم علاقة تعايش؟ ثم كيف نتحاور مع الآخر؟ وعلى ماذا نتحاور؟ وما هي منطلقات الحوار وغاياته، هل هي لتثبيت المصالح المشتركة، أم انها لدرء خطر «العدو» ولبيان مكره وخططه لمحاربتنا؟ ومن هو المؤهل لقيادة مشروع الحوار مع الآخر، هل هي المؤسسات الرسمية السياسية، أم المؤسسات الثقافية الشعبية؟ هل هم رجال الأعمال والأموال أم رجال الثقافة والفكر؟ هل هي الجامعات والمؤسسات العلمية أم مؤسسات الصحافة والإعلام؟
اسئلة جوهرية كثيرة غابت عن اللقاءات التحضيرية بسبب أننا لانزال في «ألف باء الحوار الوطني»، أو بالأصح لا نزال في المربع الأول نتساءل عن هويتنا وعن الآخر.. لقد قلت في واحدة من مداخلتين في ذلك اللقاء: «في الوقت الذي دخلنا بعد توحيد المملكة في مرحلة البناء والتنمية وتوطيد العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية وأرسلت البعثات التعليمية وانشئت المؤسسات الإعلامية وفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي وسافر رجال الأعمال والاكاديميون وعامة الناس إلى مختلف بقاع العالم، ثم تم التخطيط للسياحة لتكون مجالاً اقتصادياً واعداً، وأخيراً الانضمام الرسمي لمنظمة التجارة العالمية، إلا أننا نأتي اليوم لنتساءل عن هويتنا وعن أهمية العلاقة مع الآخر، إنني أشعر من خلال ما سمعت وقرأت أننا لانزال في ألف باء الحوار.. فلماذا بقي المجال الثقافي والحضاري متأخراً عن المجال السياسي والاقتصادي؟!! إننا نحتاج إلى تجاوز هذه المرحلة بأسرع وقت ممكن حتى نتمكن من أن ندلف إلى مجالات أكثر جوهرية وحيوية في العلاقة مع الآخر، وأن نؤسس لمشاريع ومؤسسات تدعم علاقاتنا الايجابية مع كافة شعوب العالم وحضاراتها، وبدون الخروج من هذه الدائرة المغلقة فلن نستطيع أن نبني لبلدنا موقعاً في زمان العولمة الذي سبقتنا إليه أمم وأقوام..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.