تأتي آيات الصيام (الركن الرابع في الإسلام) قبل آيات الحج، وأما الصلاة والزكاة فقد ورد ذكرهما مرّات، آخرها في آية البِرّ، وقوله سبحانه: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) جاء في وسط آيات الصيام، وليس فيها شيء من أحكام الصيام، بل هي في سؤال الله ودعائه، وللسائل أن يسأل عن سرّ ورودها بين آيات الصِّيام؟ وقد أجاب أهل العلم عن ذلك، فقالوا: لما كان للصائم دعوة لا تردّ وردت آية الدعاء والحث عليه وإجابته هنا إشارة إلى ذلك، وفيها حث للصائم أن يستجيب لهذا العرض المشتمل على ذلك الفضل العظيم، وقد اختلف في صحة الحديث الوارد في ذلك، وفي هذا ما يقويه، وهذه لطيفة، ولطيفة أخرى تشير إلى محلِّ الدعاء وإجابته، وهو عند إفطاره، لورود آية أحكام ليلة الصيام عقيبه، ولا أجزم بذلك، وإنما هو خاطر تولد مما سبق. كما أن لأهل العلم ههنا سؤالًا، سألوه وأجابوا عنه، وهو: عامة ما جاء في القرآن من السؤال أجيب عنه ب (قل) إلا في هذا الموضع، فقد ورد السؤال عن الأهلة، وعن الشهر الحرام، وعن الخمر، وعن الإنفاق، وعن اليتامى، وعن المحيض، وعن الساعة (في سورة الأعراف) وعن ماذا أحل لهم، وعن الأنفال، وعن الروح، وعن ذي القرنين، وعن الجبال، قال سبحانه: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وهكذا سائر المواضع، فلأي معنى حذفت الواسطة؟ فقال أهل العلم: النكتة في ذلك الإشارة إلى أنه لا واسطة بين العبد وربه، وأنه ليس بينه وبين أن يجيب مولاه دعاءه إلا أن يسأله؛ لأنه سميع قريب، ولهذا نهينا عن رفع الصوت في الدعاء؛ لأن رفع الصوت نداء للبعيد، والمناجاة للقريب، والله قريب مجيب، فليفطن إلى هذا الأئمة الذين يرفعون أصواتهم في دعاء القنوت لعلَّهم يرشدون.