سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة الأستاذ خالد بن حمد المالك وفقه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. قرأت تعقيب الأخ محمد الفوزان في عدد يوم 19-3-1426ه على مقالي السابق حول مسألة الحجاب، واستغربت قوله إن القول بوجوب الحجاب رأيي الخاص، وان هذا لا يعني تهميش الرأي الآخر واستغربت أيضاً قوله: أين النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة في هذه المسألة؟ ويعلم الأخ محمد أن الشريعة الإسلامية ليس فيها رأيي ورأيه ورأي الآخر، وإنما هي نصوص وأدلة تبنى عليها الأحكام والمسائل الشرعية، وإذا وجد خلاف في مسألة ما، فالواجب رده إلى الكتاب والسنة امتثالاً لأمر الله سبحانه حيث يقول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ويقول سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} فما وافقهما وجب الأخذ به وما خالفهما وجب رده واطّراحه. وحينما ردّ علماء الشريعة هذه المسألة (مسألة تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب) إلى الكتاب والسنة وجدوا أن النصوص تدل دلالة صريحة على وجوب احتجاب المرأة وتخمير وجهها، وهي كثيرة لا يتسع المقام لسردها، وإنما أشير إلى شيء منها ومن أقوال الأئمة حولها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن حجاب المرأة ولباسها في الصلاة: (وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} حُجب النساء عن الرجال.. فإذا كنّ مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أُمرت ألا تظهرها للأجانب) وقال في موضع آخر: (وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين)، وهنا نجد أنه يشير الى أن الحجاب لم يفرض على النساء إلا في وقت متأخر في المدينة، وأنه حينما ردّ هذه المسألة إلى الكتاب والسنة تبين له أن أصح القولين هو وجوب تغطية المرأة وجهها. وقال العلامة المحدث ابن باز رحمه الله في رسالته الحجاب والسفور عند شرحه لآية {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} قال: هذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال.. ولم تستثن شيئاً، فهي آية محكمة يجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين. وفي موضع آخر عند تعليقه على قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، قال فهو صريح في إدناء الخمار من الرأس إلى الصدر، ويدخل فيه الوجه لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلاً وشرعاً وعرفاً، ويؤكد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرين الأول لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها.. إلى أن قال: وبهذا يعلم وجوب تحجب المرأة وسترها لوجهها، ومن قال بسواه أو دعا إليه فقد غلط وخالف الأدلة الشرعية (انظر مجموع فتاواه). ومما يدل على وجوب الحجاب ما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج وتختمر، فالشاهد من هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بالاختمار، وهو تغطية وجهها. ونص فقيه عصره العلامة ابن عثيمين رحمه الله، في رسالته الحجاب على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب بدلالة الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح والقياس المطرد ثم ساق الأدلة وفي آخر رسالته قام بالرد على أدلة المبيحين لكشف الوجه. والمعروف عن هؤلاء الأئمة الأعلام الاجتهاد في اتباع الدليل وفهمه على فهم السلف الصالح، ولا اعتقد في الأخ محمد وفقه الله إلا البحث عن الحق، فالحق ضالة المؤمن، وعليه أدعوه إلى تأمل هذه المسألة والرجوع إلى أقوال واستدلالات هؤلاء الأئمة، ولا يخفى أن الأخذ بهذه الأقوال الصحيحة لا يعني التقليل من شأن من خالفهم في هذه المسألة الذين اجتهدوا ولم يوفقوا لإصابة الحق، ولا معصوم إلا من عصمه الله تعالى، والله الموفق. علي بن فهد أبابطين عضو هيئة التدريس بالكلية التقنية ببريدة