جامعتا الملك عبدالعزيز والملك سعود تتصدران بطولتي كرة الهدف وقوى الإعاقة بجامعة جازان    الكشف عن موعد عودة خاليدو كوليبالي    القادسية يعلن خضوع ماتيو ريتيغي لجراحة عاجلة في إسبانيا    سلمان الفرج: النصر الأقرب للتتويج بدوري روشن.. وهذا رأيي في بوابري وهوساوي    زائر يعود بعد 170 ألف عام    زائر يعود بعد 170 ألف عام    إيران ترفض إجراء محادثات جديدة مع أمريكا        قيمة تاريخية    استهلاك الملح يضعف الذاكرة    عالمي ساطي    لبنان المخطوف يستعيد قراره بعد نصف قرن    موجة الأمطار مستمرة وتمتد حتى الجمعة    الشباب لنهائي دوري أبطال الخليج على حساب زاخو العراقي    أسطول البعوض يهدد هرمز ترمب يتوعد بتدمير إيران ومفاوضات النووي معلقة    سمو أمير الشرقية يدشّن جسر تقاطع الظهران الجبيل بطول 1920 مترًا    نائب أمير تبوك يطلع على التقرير السنوي لفرع هيئة الهلال الأحمر بالمنطقة    المدير التنفيذي للاتحاد السعودي للهجن يتفقد ميدان وادي الدواسر ويلتقي ملّاك الهجن    وصول أولى رحلات مستفيدي مبادرة "طريق مكة" من مطار إسلام آباد الدولي إلى المدينة المنورة    أمير منطقة جازان يلتقي أمين المنطقة ومدير عام فرع الموارد البشرية وعددًا من المستثمرين    طبي الملك عبدالله يطلق برنامجًا توعويًا للكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم    من يقود القطاع الصحي ليس سؤالًا إداريًا بل قرار سيادي    نائب أمير منطقة القصيم يستقبل مدير عام التوجيه والإرشاد بوزارة الداخلية    عبدالعزيز بن سعود يلتقي عددًا من المتقاعدين من منسوبي وزارة الداخلية    أمير منطقة جازان يستقبل عضو هيئة كبار العلماء الدكتور التركي    خارطة طريق تحول أوروبي ينحاز لسوريا المستقبل    بلدية الخفجي: إزالة أكثر من 1300 م3 مخلفات ومعالجة أكثر من 5 آلاف م2 من الطرق    البديوي: مجلس التعاون يسعى دائمًا للتوصل إلى بيئة مستقرة وآمنة وينتهج سياسات بنّاءة قائمة على التنمية والازدهار    أمير القصيم يرعى حفل تكريم الفائزين ببطولة جمال الخيل العربية الأصيلة    بدء تطبيق رفع نسب التوطين في مهن التسويق والمبيعات بالقطاع الخاص اعتبارا من 19 أبريل 2026    شيخ شمل الدرب يقدم هدية لفنان العرب محمد عبده بمناسبة زواج نجله    أدير العقارية تعلن عن مزاد إليت الصفا الإلكتروني لتسويق أيقونة استثمارية بقلب جدة    الأمم المتحدة تدين مقتل جندي من اليونيفيل في جنوب لبنان وتدعو إلى محاسبة المسؤولين    العبدالقادر يشكر القيادة لتعيينه بالمرتبة ال15    " الحج والعمرة" تشدّد على إلزامية الحصول على "تصريح الحج"    محافظ جدة يرعى حفل جامعة المؤسس    أمانة القصيم تباشر التعامل مع «مطرية بريدة»    المرور يحذر من خطورة القيادة في الأمطار    صندوقنا السيادي يقود الاقتصاد للنمو المستدام    إطلاق 15 شراكة بيئية    صدارة الذكاء الاصطناعي    عبدالعزيز بن سعد يشهد حفل اعتماد حائل «مدينة صحية»    جامعة عبدالرحمن بن فيصل تكرّم مشروعات «راية البحثي»    أغنية مصرية تظهر في مسلسل أميركي    بمشاركة 100 متسابق ومتسابقة.. انطلاق تصفيات مسابقة القرآن في كوسوفو    تدشين مسار كندة السياحي بمحمية عروق بني معارض    3 قتلى بقصف استهدف معارضة كردية بالعراق    نائب أمير المدينة يستعرض برامج «وقاء» لخدمة الحجاج    خطيب المسجد الحرام: الإيمان بالقضاء والقدر يُريح النفس ويُطمئن القلب    «هدى» تكرم حميد    «العناية بالحرمين».. خدمات متكاملة لكبار السن وذوي الإعاقة    واشنطن تفرض عقوبات على شبكة لتجنيد المرتزقة للدعم السريع    حقق زيادة بلغت 129% تعكس التحول المتسارع في التنقل.. 420.6 مليون مستفيد من النقل العام خلال 2025    نجاح عملية فصل توءم سعودي ملتصق    سبق طبي سعودي.. مستشفى الدكتور محمد الفقيه الأول في القطاع الخاص بعملية توصيل الأوعية اللمفاوية    9 أرقام وشروط أساسية لصحة القلب    تحويل الدراسة الحضورية "عن بعد" اليوم في عددٍ من محافظات الرياض    الحج لمقدمي الخدمات: لا تساهل ولا تنازل عن التصريح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثقافة السلام (2)
محمد جبر الحربي
نشر في الجزيرة يوم 30 - 01 - 2003

في يوم لا ينسى ، أواخر الثمانينيات الميلادية، كنت مدعوا للمشاركة في معرض الرياض بين الأمس واليوم، جالسا اتصفح الجرائد في بهو فندق، في قاهرة المعز، مستمتعا بفنجان قهوة الصباح الأول، كما عودني الشعر، وعلمتني الحياة.
متبادلا البسمات والتحايا مع الأصدقاء الذين يتشكلون مع كل زيارة، ويشكلون لك بابا آخر على المدينة، وهم مجموعة من موظفي الاستقبال، ومقدمي القهوة، وموظفي الخدمة، والبوابين، وسائقي التاكسي والمعتنين بالحديقة، ومشذبي الاشجار، الى ان يبدأ اليوم بمواعيده، الى ان تبدأ القاهرة بضجيجها العذب، الى ان تبدأ سيمفونية الحياة.
كان البهو مزدحما صاخبا على غير عادته في ذلك الوقت الباكر، بحثت عن مصدر الازعاج، فاذا بمجموعة سياحية اسرائيلية، يسهل تمييزها بالسحنات، والشعور، والملابس والنجمات وحزنت لصديقي «جمال»، الذي أحضر لي فنجان قهوتي ال«مخصوص عشان حضرتك» قبل قليل، وهو يحاول ارضاء رغباتهم التي لا تنتهي جيئة وذهابا، وبأدب مصري جم.
كانت قصته قصة معظم الشباب المصري يعمل، ويكمل دراسته، ويعول اسرته الكبيرة.. ويسكن في القلعة. وكان مجتهدا، طيباً، لا تفارق البسة وجهه المتعب، كما كان غاية في اللطف والادب.
اهدتني لجنة المعرض مجموعة من المصاحف لاهدائها لبعض الادباء، فأهديته نسخة طبع قبلة عليها بفرحة القاصد ديار الرسول.
وعاملني بعدها باحترام غامر، ودعاني لزيارة بيته واسرته وعاملته قبلها وبعدها كمثال نادر.
طويت جريدتي، واخذت اراقب بفضول، هذا الجمع الذي أثار استغرابي، واستهجاني، فقد كانوا يلقون بكل شيء على الارض المناديل، وزجاجات الماء الفارغة. ويزعجون الجمال بأصواتهم العالية، وفوضاهم، وقهقهاتهم التي لا تشك بأنها مقصودة.. وقد سألت نفسي حينها: هل التخريب سمة يهودية؟! وهل يحل الخراب اينما حلوا؟!
بعد ذلك، ومن بين هذا الجمع علا صوت السيدة المسنة البدينة البشعة، والله كانت بهذا الشكل لم انقص ولم ازد وكانت تجلس في الطرف الأقرب لي، وتتحدث الانجليزية بلكنة يغدو شارون معها معلما، بل لعلها كانت تشبهه، بل لقد كانت تشبهه تماما.
كانت توجه حديثها الى جمال. تبادره بابتسامة وطلب، ثم اذا ما غادر الطاولة شتمته كمصري، ثم ثنت بالعرب.
تكرر الموضوع للمرة الثانية، فوجدتني، دون شعور، او بكل شعوري، اذهب الى جمال، والمدير المسؤول عنه، واروي لهما ما يحدث، وأنا انظر اليها.
كثر الهرج والمرج، وعلت الأصوات، وكادت الأيدي....
تدخل الامن، وسحبني من المعمعة برفق وادب ملحوظ رجل ستيني، فارع الطول، مهيب، دعاني لتناول فنجان قهوة معه. شكرته واعتذرت.
عرفني بنفسه: جنرال متقاعد في القوات المسلحة عرفته بنفسي فأصر على فنجان القهوة. جلسنا، ومضت العجوز جولدا وكلابها في حالهم.
حدثني عن السلام، والسياحة والاستراتيجيات، والفقر والدولارات حدثني عن البدائل والخيارات، الراهن والمستقبل وموازين القوى.
بعيدا بين حين وآخر، وببسمة لا أزال اذكرها: «إنت زعلان ليه»!!
وحدثته عن العدل والظلم والميل، وعن المقبل من الليل. عن اليهود، وسراب الوعود، ونقض العهود. عن الحقد الذي ما انجلى، والنيل الذي ما ارتوى من الماء وحروب الماضي، عن القضية من الالف الى الياء، عن الحقيقة والخيال ثم ناديت يا جمال: حضر، وكان كسيرا مكلوما كما كنت قرأت حزني في قسمات وجهه المتعب الاسمر، وعينيه الحمراوين من الذل والغضب، وصعوبة لقمة العيش. قلت لصاحبي هذا هو المثال.
فأصر على دفع الحساب. ودعته شاكرا، وصعدت الى غرفتي. اغلقت الستائر والصباح، وألغيت مواعيد النهار، ونظرت في المرآة طويلا، وبكيت حتى دميت.
أنقذني الهاتف في المساء. ركبنا «الميكروباص» الى «بنها» كانت امسية ريفية لعدد كبير من الشباب المصري والعربي، قصائد تصر علي الحياة «إذا استطاع اليها سبيلا»، وأغان لاحمد خلف: لا تصالح، الكعكة الحجرية، ومنتصب القامة أمشي.
ثم عدنا الى القاهرة، نمشي بمحاذاة النيل، والارض العظيمة تحت اقدامنا لا تتكلم الانجليزية بلكنة عبرية، او اوروبية شرقية.
لقد كانت، ولا تزال الأرض «بتتكلم عربي الأرض.. الأرض».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.