لا يكاد المخرج السوري مانو خليل يُنهي تصوير فصلٍ من فصول المأساة الكردية، حتى يعود إليها من جديد. وكأنّ الكاميرا عنده، فسحة تحررٍ من أعباء ماضٍ لا يزال الحاضر يرزح تحت ثقله، في محاولة لمخاطبة الإنسان مهما كان لونه أو دينه أو عرقه. هي بكلمات أخرى شاهد على حقٍ ضاع في أتون السياسة أو وثيقة بصرية للتاريخ يصعب تحريفها مهما كانت هوية المنتصر أو غطرسته وجبروته. في أفلام مانو خليل، بطل واحد لا يتغير وإن تعددت الأسماء والأشكال والأعمار، وهمّ واحد لا يتجزأ وإن تكاثرت القصص والحبكات والروايات. البطل هو من النسيج الكردي والهمّ همّ شعبٍ أحرقته جمرة الشتات، لتتوالى الحكايا بتوالي الأفلام، من «الأنفال - شظايا من الحياة والموت»، الى «دافيد تولهلدان» و «زنزانتي بيتي»... حكايا تشغل أفلاماً توّاقة الى رفد الفن السابع بذاكرة لا تنضب عن تاريخ دامٍ عايشه الكرد في أكثر من منطقة نزاع، انطلاقاً من إيمان المخرج بأهمية الصورة في صنع التاريخ. إيمان لا تعود معه مقولة إن التاريخ يكتبه المنتصر، ذات أهمية كبيرة. فمن يقف على تماسٍ مع الصورة، لا يعود قادراً على المساومة حول حجم سطوتها وتأثيرها، سواء كانت صادقة أو كاذبة ومتلاعباً بها. هي سلاح فتّاك يعرف مانو خليل جيداً كيف يطوّعه لإيصال قضية شعبه ومعاناته الى الجمهور العريض من دون استدرار الدموع أو الاتكاء على ميلودراما قد تحمل تبعات عكسية، فتحرمه من الوصول الى هدفه، هو الذي اختار أن تكون السينما في خدمة القضية. ولا يبتعد فيلمه الجديد «طعم العسل» عن هذا التوجه. فهذا الشريط الذي عرض الأسبوع الماضي ضمن برنامج «تقاطعات» في «مهرجان الخليج السينمائي» بعد فوزه بالجائزة الأولى في المهرجان الوطني في سويسرا، وإن كانت تدور حبكته الأساسية حول شخصية كردية ذاقت مرارة الحرب، غير أنّ نقطة قوته الرئيسة تكمن في كون الفيلم يعبق بالأمل، وكأنه أنشودة تفيض بحب الحياة. ولم يغب هذا الأمر عن لجنة تحكيم المهرجان الوطني في سويسرا (سولير)، إذ جاء في تعليلها لمنحه الجائزة، تأكيدها «أجواء الفيلم الإيجابية والتفاؤل الذي ينشره والإيمان بالإنسان، خصوصاً ان الشخصية الرئيسة لا تقع في فخ إصدار الحكم على هوية الظالم والمظلوم». ويقيناً أن مانو خليل كان حريصاً على الابتعاد عن لعبة الظالم والمظلوم هذه، في محاولة لجعل الشخصية الرئيسة في فيلمه، شخصية عالمية، تكاد تشبه أية ضحية من ضحايا الحروب الأخرى، أينما وُجدت في أي بقعة نزاع من حول العالم. وقد وُفّق بذلك من دون أن يجرد بطله من كرديته. فالمآسي التي تكبّدها الأكراد على مدى سنوات طويلة موجودة، والبطش الذي لاحقهم حاضر، والمعتدي واضح لا لبس فيه، حتى وإن لم يُشر إليه بالإصبع مباشرة. كما وُفّق المخرج في اختيار بطل فيلمه ابراهيم جيزيل، هذا الرجل الستيني الذي لاحقه خلال يومياته في سويسرا لأربع سنوات. ولعل في هذه المدة الزمنية التي قضاها الرجلان معاً، يكمن السبب وراء ظهور ابراهيم في شكل محبب على الشاشة، إذ نجمت عنها ألفة، جعلت الأخير ينسى وجود الكاميرا. فماذا عن هذا الفيلم؟ عبق المأساة ينتمي «طعم العسل» الى نوع «الدوكودراما»، ويصوّب فيه المخرج كاميرته الى ابراهيم جيزيل الذي يروي قصة حياته بأسلوب سلس. فهو لا يريد شيئاً من هذه الحياة إلا مواصلة شغفه بتربية النحل في سويسرا بعدما كان «أمبراطوراً» في هذا المجال في كردستان (كان ينتج نحو 18 طناً من العسل سنوياً). لكنّ هذه الشخصية التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، تُخبئ خلفها تاريخاً حافلاً بالنضال والمعاناة. فإبراهيم، وإن قادته الأقدار الى سويسرا، لم يخرج سالماً من الحرب التي دارت رحاها بين «حزب العمال الكردستاني» والجيش التركي عام 1993، والتي كانت آثارها مرّة على عائلته المؤلفة من زوجته و10 أولاد. فالزوجة ستختار الانتحار سبيلاً للخلاص بعد هربها الى اسطنبول، واثنان من أبنائه سيدخلان السجن، بينما ستنقل مؤسسة إنسانية أبناءه السبعة الى سويسرا. أما هو فسيختبئ في جبال كردستان لسبع سنوات، قبل أن يتبع ما تبقى من عائلته الى سويسرا، ليبقى مصير واحد من أبنائه مجهولاً. وإذا بدا أن سويسرا، هذه الدولة الآمنة التي تحترم حقوق الإنسان، تحتضنه أفضل احتضان، فإن عقدة جوهرية ستطل في وجه ابراهيم: في سويسرا، لا تعدّ تربية النحل عملاً، إنما هواية، بالتالي على ابراهيم الالتحاق بوظيفة، ما يمنعه من منح الوقت الكافي لقفيره. لكنّ شغف بطلنا بالنحل، وسؤاله الدائم عن مصير نحلاته بعد كل لقاء مع المرشدة الاجتماعية، من شأنهما أن يُنبئا المشاهد بأن هذا الرجل الستيني لن يألو جهداً لحلّ مشكلته. وبالفعل تأتيه فكرة تغيير سنّه ليصبح في سنّ التقاعد، وبالتالي لا يعود مجبراً على العمل، بل يتفرغ لنحلاته. وهو انطلاقاً من هنا، يبدأ معركته القانونية، بالارتكاز على واقعة تزوير والديه هويته عند ولادته وجعله أصغر بأربع سنوات لتجنيبه الخدمة العسكرية قدر المستطاع. يوميات سويسرية «أديت خدمتي العسكرية وفي عنقي أربعة أطفال»، يقول إبراهيم ضاحكاً أمام الكاميرا التي تلاحق خطوط وجهه وكأنها تريد أن تنطق حكماً بسنّه الحقيقية. وبينما ينتظر بطلنا حكم المحكمة، تلاحقه الكاميرا في يومياته السويسرية، مشددة على الصداقات التي يبنيها من حوله رغم عدم إتقانه اللغة. لكنّ كاميرا مانو خليل لا تقف عند حدود المتفرج فحسب، بل تلعب دوراً أكبر في كثير من الأحيان، خصوصاً حين تضع إبراهيم أمام شريط فيديو لابنه المفقود، فيهنأ قلب الأب رغم معرفته أن ولده في خطر دائم لالتحاقه بصفوف مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وكم سيبدو صاعقاً ذاك اليوم الذي يقرأ فيه الأب على صفحات جريدة كردية تصدر في سويسرا نبأ مقتل ابنه. وعلى رغم وقع هذا الخبر القاسي على بطلنا والمحيطين به، يأبى مانو خليل إلا أن ينهي الفيلم بطيف أمل، يطل بوجهه مع إصدار المحكمة حكماً بتعديل سن ابراهيم، وبالتالي تحقيق حلمه بالانصراف الى مزاولة نشاطه في تربية النحل، قبل أن يسدل المخرج الستار بلقطة مقربة لإبراهيم وهو ينظر الى الكاميرا نظرة مباشرة تمتد لثوان... نظرةً كأن فيها إدانة للمشاهد لسكوته عن ممارسات خالية من الإنسانية.