تراجع مؤشر الأسهم اليابانية    بيت الثقافة بنجران يحتفي باليوم العالمي للتصميم    مركبة الشحن "بروغرس إم.إس-34" الروسية تلتحم بمحطة الفضاء الدولية    هيئة المتاحف تنظّم لقاءً مفتوحًا حول إرث "التابلاين" ومتحف الحدود الشمالية    نائب أمير الرياض يتسلم تقرير فرع وزارة الرياضة    سوء التغذية والأمراض يفاقمان أزمة غزة    القيادة تهنئ رئيس جنوب أفريقيا بذكرى يوم الحرية.. ورئيسي توغو وسيراليون بذكرى استقلال بلادهما    ولي العهد يتلقى رسالة من رئيس وزراء بنغلاديش    العلا يسيطر على سلاح الأبيه    ضبط ثلاثة مخالفين لأنظمة الحج    تطوير القطاع المالي يقود التحوّل نحو اقتصاد متنوع ومستدام    أمير الشمالية يبحث مع وزير الحج والعمرة خدمات ضيوف الرحمن عبر منفذ الجديدة    مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي يبدأ أعماله في نيويورك    عطلت الدراسة وتضررت منها المنازل.. مواجهات مسلحة في غرب ليبيا    البشر سيعيشون على القمر العقد المقبل    أمير الشرقية يدشّن النسخة الثانية من مبادرة "خدمتكم فخر واعتزاز" لخدمة ضيوف الرحمن    رعى حفل الجائزة.. الخريف: 683 مليار ريال إنفاق المحتوى المحلي بالمشتريات الحكومية    هل يحتل الروبوت مكان الإنسان    التشجيع الرياضي الواعي.. والتعصب    الزلفي والبكيرية يواجهان الطائي وجدة.. أبها بطلاً لدوري يلو للمرة الثانية    أنشيلوتي أعلى مدربي المونديال أجراً.. و«دونيس» الخامس    أخطاء المنظومة الطبية (7)    7 خطوات للتحقق من صحة فواتير «فرجت» عبر «ناجز»    أستاذ مناخ: أمطار أبريل تتجاوز المعدلات المعتادة    شقيقة وزير التجارة ماجد القصبي في ذمة الله    أمير الرياض يرعى حفل تخريج 1800 طالب من الجامعة السعودية الإلكترونية    أسرة «العندليب» تطالب بعمل يوثق حياته    «وِرث» يعرض عملاً فنياً في مطار خليج نيوم    نائب أمير مكة يطلع على الدراسات المرتبطة بالحج والعمرة    رئيس موريتانيا يزور المسجد النبوي    دعت لتنظيم مواعيد زيارة الروضة الشريفة.. وزارة الحج تحذر من أداء "الفريضة" دون تصريح    تفقد الاستعدادات الجارية بجديدة عرعر.. الربيعة: جهود متكاملة من الجميع لتعزيز جودة استقبال الحجاج    وزير الحج والعمرة يتفقد استعدادات منفذ جديدة عرعر لاستقبال ضيوف الرحمن    الرياضة وصحة المسنين    محاكمة بشار الأسد غيابياً.. دمشق بيين الانفتاح السياسي ومحاكمات الماضي    العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكوميا    تهديد ترمب.. ساعات على تفجير إيران والمفاوضات تهز أسواق العالم    نائب أمير تبوك يترأس اجتماع لجنة الحج بالمنطقة    أخضر الشاطئية ينافس على برونزية سانيا 2026 والمصارعة السعودية تستهل مشاركتها    إيقافات وغرامات يتصدرها الأهلي .. الانضباط تعاقب الشباب والاتفاق    رحلات المنطاد ترفيه ينطلق لاستكشاف الطبيعة    مليار ريال لإنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر 1.84    أمير حائل ونائبه يعزيان أسرة السبهان    الباحة مدينة صديقة لذوي الإعاقة    جامعة القصيم تطلق فعاليات مهرجان تراث الشعوب الخامس    "مبادرة طريق مكة" في إندونيسيا .. رحلة تبدأ من مطارات الشرق البعيد    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل الباكستاني ويتسلّم تقرير وكالة الشؤون التنموية لعام 2025    أمير حائل يرعى الحفل السنوي لجائزة التميز الوظيفي لمنسوبي تجمع حائل الصحي في نسختها الثالثة    وزير السياحة يتفقد جاهزية مرافق الضيافة والنزل المؤقتة المخصصة لإسكان الحجاج في مكة المكرمة    الداخلية: غرامة تصل 50 ألف ريال وسجن 6 أشهر وترحيل الوافد المتأخر عن السعودية بعد انتهاء تأشيرة الدخول الممنوحة له    مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية يستعرض منجزات رؤية المملكة 2030 بالتزامن مع دخولها المرحلة الثالثة    أمير الرياض يستقبل مدير فرع وزارة الرياضة بالمنطقة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم الصحي من "سباهي"    أمير القصيم: الجمعيات الخيرية تدعم الفئات المستحقة وتعزز التكافل الاجتماعي    «540» طالباً وطالبة من جازان يشاركون في رحلات «مشينا» الثقافية    علماء يبتكرون بطاطس مقلية صحية مقرمشة    خبراء يحذرون من ترند قهوة البيض القاتلة    أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلان الحسم باستحضار روح الثمانينات
نشر في الحياة يوم 15 - 01 - 2012

ليس اعتباطاً أو مصادفة أن يظهر الرئيس السوري في ساحة الأمويين في دمشق، بعد يوم على إلقائه خطاباً على مدرج جامعتها، وقد لا يكون من المصادفة أيضاً أنه أشار في خطابه إلى هذه النقطة بالذات، إذ قال: «فإذا قررت هذه القلة القليلة أن تساهم في هزيمة الوطن في الساحات الافتراضية، فالشعب بغالبيته العظمى قرر الانتصار في ساحاته الحقيقية. إن المعارك الوطنية لها ساحاتها ورجالاتها ولا مكان فيها للأيدي المرتعشة والقلوب المذعورة...».
إذاً، من المفترض أن ظهور الرئيس بين مؤيديه ليومين متتالين، بعد غياب لأشهر، يدشّن مرحلة جديدة في تعاطي الحكم مع أزمته، أو على الأقل استعراضاً للقوة له ما يدعمه. وإذا استثنينا من الخطاب الشروح التي تميز بها الرئيس، فإن نقاطاً أساسية هي الركيزة التي ينبني عليها توجه القيادة السورية الحالي؛ توجهٌ تم التمهيد له قبل مدة عبر الإعلام السوري، وعبر مطالبات مدروسة من بعض الموالين ليأخذ النظام زمام المبادرة على نحو حاسم وسريع. من هذه الجهة، وعبر أكثر من إشارة في النص، يبدو الخطاب تلبية لمطالب الفئة الأكثر تشدداً، من دون أن نغامر جدياً بتقسيم النظام إلى تيارات وأجنحة.
لم يخرج الخطاب على صعيد المبررات الأيديولوجية عن مألوف الرواية الرسمية، وإذا بدا مستغرباً ذهاب القسم الأول منه إلى الخارج، في الوقت الذي انتظر كثيرون بصبر التطرق إلى الداخل، فلأن الرواية الرسمية أنكرت دائماً وجود داخل سوري فاعل لحساب سرديتها عن وجود قلة مرتهنة لقوى خارجية. فالإصرار على وجود مؤامرة خارجية تُنفذ بأيدٍ سورية، مقروناً بالعزم على الحسم العسكري والأمني، رسالة متجددة لكنها الآن أكثر عنفاً وجذرية، إذ تنفي الحلول الوسط أو التنوع السياسي بالقول: «لا يوجد لون رمادي في هذه الحالة ومن يقل إنه رمادي يظهر نفسه بأنه رمادي أو في الوسط، ومن يقف في الوسط من القضايا الوطنية يخن الوطن». وبموجب هذا التقسيم لن تكون المصالحة الوطنية ممكنة إلا بعد انتصار النظام، إذ أكد الخطاب أن لا وجود لحكومة وحدة وطنية، وأن «التسامح» يكون بعد نهاية الأزمة.
استعاد الخطاب لغة الثمانينات لأسباب مختلفة لا تغيب عنها المقارنات غير المعلنة في أوساط المؤيدين بين شخصيتي الرئيس الأب والرئيس الابن. وفق تلك المقارنات يبدو الأب أكثر حزماً، وعلى صعيد الشكل أكثر الأب من ظهوره الشعبي أثناء مواجهته مع الإخوان المسلمين، واستطال أيضاً في خطاباته مسهباً في العامل الخارجي والأيديولوجيا القومية لتهميش الداخل تارة، ولتمرير الرسالة المقصودة بمباشرة أقل تارة أخرى. في استعادة الثمانينات وتقمص روحها يكون النظام قد صرف النظر عن تبدل المعطيات الداخلية والخارجية، وهو خطاب يُراد به تثبيت أنصاره عند نقطتين؛ الأولى هي الملامح الطائفية التي برزت في المواجهة مع «الإخوان» آنذاك، والثانية هي استعادة الكاريزما التي تكرست للأب طوال عقود من حكمه، فضلاً عن إشاعة التفاؤل بالخلاص من الأزمة على غرار ما حصل سابقاً.
يضع الخطاب الأمنَ في مرتبة الأولوية القصوى من دون ربطه بالحالة السياسية العامة، أي أن السياسة لن تكون بأي حال مدخلاً للأمن الذي «لا يتحقق إلا بضرب الإرهابيين القتلة بيد من حديد، فلا مهادنة مع الإرهاب ولا تهاون مع من يستخدم السلاح الآثم لإثارة البلبلة والانقسام، ولا تساهل مع من يروّع الآمنين ولا تسوية مع مَن يتواطأ مع الأجنبي ضد وطنه وشعبه». ولأن هذه الأولوية تستغرق ما عداها، فمن المنطقي أن تُحال القضايا الأخرى إلى مرتبة هامشية جداً، أو أن تُحمّل أوزارها إلى من يسمّون إرهابيين. هنا تبدو هذه القضايا هامشية أو نتيجة ثانوية للأزمة لا أكثر، فمشاكل مثل أزمة الطاقة وغيرها تُحال إلى الوضع الحالي لا إلى الفساد الذي يُضطر النظام نفسه إلى الاعتراف به. ولعل الملمح الجليّ أخيراً هو تخلي النظام عن مسؤولياته المدنية، بحكم احتكاره للدولة، والانصراف الكلي إلى الشأن الأمني، ما قد يحمل مقايضة لسبل العيش بانتهاء الانتفاضة.
لا خطوات جديدة من جانب الحكم يقولها الخطاب صراحة. فالدستور الموعود الذي لا تُعرف تفاصيله بعد، ويبدو إقراره في استفتاء شعبي حتمياً، هو الخطوة الأخيرة، وهذه المسيرة غير قابلة للانعطاف أو التأثر بالتزامات ليس لها وجود فعلي كحال المبادرة العربية. ولعل الهجوم المستفيض على الجامعة العربية والقوى النافذة فيها، تمهيد للتراجع عن الحد الأدنى من الالتزامات التي تخص البروتوكول الموقّع مع الجامعة. فالغطاء الأيديولوجي نحّى السياسة جانباً بالتنظير لعروبة لا تتحقق إلا لسورية، ووضعَ القوى العربية النافذة في منزلة الوكلاء الذين لا يصحّ التفاوض معهم في وجود الأصل.
والحق أن هذا الخطاب ليس طارئاً بل ينتعش وقت الأزمات. فقد سبق أن وُصف بعض العرب بأنصاف الرجال أثناء حرب تموز (يوليو) واليوم إذ تُعلن الحرب مجدداً تحضر مفرداتها مقرونة باستذكار الأزمات التي استطاع النظام تجاوزها؛ مرة أخرى استقواءً بالماضي على الحاضر.
على رغم إنكار الخطاب وجود شارع منتفض، لم يغفل توجيه الإشارات المضادة الى ما يُطلق في الشارع. فالنزول إلى ساحة الأمويين بمثابة الرد على دعوات المتظاهرين إلى الاعتصام في الساحة ذاتها، وضمن الإطار ذاته يرِد مفهوم الكرامة كمفهوم يرتبط بالوطن لا بالمواطن كما يراه المتظاهرون. وبخلاف ما يوحي به الإعلام السوري من تقسيم المعارضة إلى وطنية وأخرى غير وطنية، فإن الخطاب يتحدث عن شخصيات معارضة فحسب، من دون التفات إلى وجود تنظيمات كالمجلس الوطني وهيئة التنسيق الوطنية، والمعارضة التي ستكون مقبولة هي تلك التي يُرخص لها النظام وفق قانون الأحزاب، وبعضها كما رأينا سيُشكّل بتشجيع من السلطة ذاتها!
مع ذلك لم يبشر الخطاب الموالين بحسم سريع. فثمة إشارة إلى أن الحسم استغرق ستّ سنوات في الثمانينات من القرن الماضي، وهي إشارة مثقلة بالدلالة. إذ إن حسم المواجهة مع «الإخوان» لم يستغرق حينها سوى نصف هذه المدة، أما ما تبقى منها فقد كُرّس لتنظيف الساحة السياسية تماماً من كل شبهة معارضة وإعادة ترتيب مراكز القوى في الحكم. إذاً هي حرب استنزاف طويلة سيخوضها النظام ضد الانتفاضة، مطمئناً، كما يبدو، إلى منسوب الضغوط الدولية الحالي والتي استقرت على شكل استنزاف سياسي واقتصادي، غير مستعجل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.