العالمي يواصل المطاردة    الجيش الأمريكي يستعد لاحتمال تنفيذ عمليات تستمر أسابيع ضد إيران    وزير الخارجية يلتقي كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية    النجمة يحقق أول انتصاراته في دوري السعودي بثنائية أمام الخلود    القبض على يمنيين ومواطن في نجران لترويجهم مادة الحشيش المخدر    انتصار تاريخي    ضبط 21029 مخالفا للأنظمة في أسبوع    جامعة أم القرى تحصد 12 جائزة خلال مشاركتها في المؤتمر البحثي الأول    انطلاق أعمال منتدى مكة للحلال في نسخته الثالثة    الطالب مركز الثقل الإستراتيجي في بيئة التعليم    تعليم الطائف يعتمد توقيت اليوم الدراسي في شهر رمضان المبارك    فرنسا: تسميم نافالني يظهر استعداد بوتين لاستخدام "السلاح الكيميائي ضد شعبه"    إيقاف شركتي عمرة لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين    جنوب اليمن بين تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم    تحذير أممي من موجة نزوح جديدة في جنوب كردفان    غدا.. تفعيل المواقف المدارة في 3 أحياء بالرياض    إحياء القيم.. ضرورة وطنية واجتماعية    «ترحال» تنطلق في الأسياح لخدمة مرضى الكبد بالقصيم    عمان.. حين يصبح السفر حالة صفاء لا تنسى    الطب الشرعي يواجه التخدير الإجرامي    ضمن مشروع "مملكتي" … جمعية التوعية بأضرار المخدرات بجازان تطلق برنامجًا توعويًا بشاطئ جَدينة في بيش    وفد إفريقي وأكاديميون من جامعة جازان يزورون جناح "صبيا" في مهرجان جازان 2026″    غضب نونيز يتواصل في الهلال    كواليس طلب لاعب الاتفاق قميص بنزيمة في غرفة الملابس    تعليم الطائف يفعّل الشاشات والميادين لتعزيز الالتزام المدرسي    إشارات ذكية في بريدة لخفض زمن الانتظار    إحياء الموروث في عادات التقريشة    وزير الشؤون الإسلامية يفتتح نهائيات جائزة الملك سلمان لحفظ القرآن بالرياض    «الإذاعة صوت يتجاوز الزمان والمكان» في ورشة لجمعية صحافة ورقمي ببريدة    «النخيل والتمور» يعزز حضوره الدولي في أجريتك 2026    المملكة تشارك في اجتماع مجلس إدارة شبكة التنظيم الرقمي"DRN" المنعقد في جورجيا    15 فبراير.. العالم يتحد لإنقاذ 400 ألف طفل سنوياً من السرطان    اكتمال عقد نهائي Premier Padel Riyadh Season P1 بعد مواجهات قوية في نصف النهائي    حريق بمصفاة النفط في العاصمة الكوبية هافانا    جمعية «غراس» تنظّم زيارة طلابية لكلية التقنية بجازان ضمن برنامج مسار للتأهيل التنافسي    جمعية «غراس» لرعاية الأيتام في منطقة جازان تنفذ مبادرة توزيع سلال العميس على أسر الأيتام في جازان    بعدسة خالد السفياني.. فيرلاين: طبقنا الاستراتيجية جيداً ونجحنا.. وإيفانز: صعوبة السباق فاقت التوقعات    منظومة تشغيلية متكاملة تُجسّد عالمية الرسالة الدينية في رحاب المسجد الحرام    الأمم المتحدة: الدعم السريع ارتكبت فظائع وجرائم حرب في الفاشر    الجمعية الصحية ببيشة "حياة" تستعرض خطة الأعمال في رمضان    أمير منطقة القصيم يتسلّم تقرير اللجنة النسائية التنموية لعام 2025م    تدشين الحملة الترويجية للمنتجات المنكهة بالتمور    أمير المدينة يهنئ نائبه بالثقة الملكية    رئاسة الشؤون الدينية تهنئ أصحاب السمو والمعالي الذين شملتهم الأوامر الملكية الكريمة    المعيقلي: التقوى غاية الصيام وسبيل النجاة    دور النضج في تاريخ الفلسفة الإسلامية    6 كلمات تعمق روابط القلوب    المغلوث يشكر القيادة بمناسبة تعيينه نائبًا لوزير الإعلام بالمرتبة الممتازة    أوامر ملكية جديدة تعزز مسيرة التطوير وتمكن الكفاءات    الأمير سعود بن نهار يرفع الشكر للقيادة بمناسبة صدور الأمر الملكي بتعيينه نائبًا لأمير منطقة المدينة المنورة بالمرتبة الممتازة    أوامر ملكية تطال 6 قطاعات ومناصب رفيعة    نائب أمير جازان يعزي أسرة بن لبدة في وفاة والدهم    أمراء ومحافظو المناطق يؤدون صلاة الاستسقاء في مختلف أنحاء المملكة    حذرت من توسيع السيطرة الإدارية.. الأمم المتحدة: إجراءات إسرائيل تقوض حق الفلسطينيين في تقرير المصير    استمع إلى شرح عن تاريخ البلدة القديمة وطريق البخور.. ولي عهد بريطانيا يزور مواقع تاريخية وطبيعية وثقافية بالعُلا    مسيرات الدعم السريع تقتل طفلين وتصيب العشرات    افتتح ملتقى الرعاية في نسخته الثالثة.. الجلاجل: نموذج الرعاية الصحية خفض وفيات الأمراض المزمنة    أمير الشرقية يدشن مسابقة "تعلّم" لحفظ القرآن وتفسيره    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشرّدو العراق تجنّدهم «القاعدة» وتوظّفهم عصابات بيع الأعضاء... وتطردهم الحكومة
نشر في الحياة يوم 02 - 12 - 2011

يفترش الشاب أحمد رياض منذ قرابة العام، أرضَ «حديقة الأمة» الواقعة في منطقة الباب الشرقي وسط العاصمة بغداد، بعد خروجه «قسراً» من دار المشردين لتجاوزه السن القانونية. رياض الذي يعتاش الآن على ما يكسبه من بيع قناني المياه النقية قرب ساحة التحرير القريبة من الحديقة، يعتقد أنه أفضل حالاً من زميله نبيل عباس الذي خرج من دار المشردين قبله بعام واحد، ويقضي الآن حكماً بالسجن ثلاثة أعوام بتهمة الانتماء ل «عصابة سرقة سيارات»*.
تحوَّل نبيل عباس من مجرد مشرد الى «لص محترف»، بعد أقل من عامين قضاهما في التشرد بشوارع العاصمة، ولا احد يعرف بالضبط الى ماذا سيتحول حين يخرج من السجن.
وربما سيكون مصير أركان محمد، الذي اعتقل بعد أشهر قلائل من خروجه القسري من دار المشردين، مشابهاً لمصير عباس، فهو لم يتمكن حتى الآن من إقناع المحققين بأنه لم يكن ينوي تنفيذ عملية إرهابية حين عثرت عليه الشرطة مختبئاً في «براد» مهجور في ساحة للأنقاض شرقي العاصمة، بل كان ينام في المأوى الوحيد الذي حصل عليه بعد خروجه من دار المشردين.
أحمد رياض ونبيل عباس وأركان محمد وآخرون غيرهم، كانوا كلهم ضحايا «تشرد قسري» فرضه إصرار الحكومة العراقية على تطبيق قانون قديم للمشردين سُنَّ قبل نحو 28 عاماً، يقضي بعدم السماح لمن تجاوز سن ال18 عاماً بالبقاء في دار المشردين، حتى لو كان مأواه البديل هو شوارع المدن العراقية الملتهبة بالعنف، والتي تصفها بعض التقارير بأنها من أخطر المدن في العالم.
قانون «قديم» لمجتمع متحول
يعرِّف قانون الاحداث رقم 76 لسنة 1983 «المشرَّد» بأنه كلُّ حَدَث لم يتجاوز ال15 من العمر ويُعثر عليه من دون مرافقة ولي أمره وهو يتسول في الاماكن العامة، او يمارس متجولاً مهنة مثل صبغ الأحذية او بيع السجائر أو أي مهنة اخرى تعرضه للجنوح. كما اعتبر القانون الحدث «مشرداً» اذا لم يكن له محل إقامة معين او اتخذ الأماكن العامة مأوى له ولم تكن له وسيلة مشروعة للعيش، او ترك منزل ذويه من دون عذر مشروع.
خبراء قانون وعلماء اجتماع وباحثون وجهات رسمية معنية بقضايا المشردين، وجهوا انتقادات لاذعة لقانون المشردين الذي لم يخضع للتعديل منذ 28 عاماً، رغم كل ما مر به العراق من حروب ونزاعات وتحولات اقتصادية واجتماعية خلال العقود الثلاثة الاخيرة.
الباحث عبد الرزاق سليمان أشار الى ما يسميه «غياب الإدراك الحقيقي» لأهمية تعديل قانون دار المشردين «الهزيل» الذي ورثناه من النظام السابق، مستعرضاً في الوقت نفسه الصورة المأسوية الواسعة التي انتهى إليها ملف المشردين في العراق أواخر العام 2011.
سليمان يتحدث عن ثلاثة حروب خاضها العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، هي على التوالي، حرب الخليج الاولى 1980–1988، حرب الخليج الثانية 1990-1991 وما تبعها من انتفاضات في معظم المدن العراقية، ومرحلة الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة بين عامي 1990-2003، وتسبب بدمار البنى التحتية للاقتصاد العراقي وانتشار الفقر بين أكثر من 90 في المئة من شرائح الشعب العراقي، وصولاً الى تداعيات حرب الخليج الثالثة التي غزت فيها الولايات المتحدة العراق عام 2003، وما تبعها من عمليات قتل وتشرد وتهجير طائفي وعرقي يُعَدّ الأوسعَ في العالم منذ عام 1948.
أرقام متضاربة
ازاء كل هذا، يلخص الباحث ما يحويه ملف التشرد في العراق بأنه «مأسوي» لا يمكن حل تداعياته بقانون جامد مضى عليه قرابة الثلاثة عقود.
تعترف وزارة التخطيط العراقية بأنها لا تمتلك حتى الآن أي إحصائيات يمكن من خلالها معرفة العدد الحقيقي للمشردين. ويبرر الناطق باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي غياب هذه الاحصائيات الى التأجيل المتكرر للإحصاء السكاني في العراق على خلفية الصراعات السياسية التي تحيط بملف الإحصاء رغم مرور أكثر من ثمانية أعوام ونصف على سقوط النظام السابق.
آخر تعداد سكاني جرى في العراق كان عام 1997، لكن حتى هذا التعداد لم تكن فيه أي إشارة الى المشردين كما يقول الهنداوي، الذي يقر بأن الحصول على أعداد المشردين الحقيقي هو السبيل الأمثل للبدء بإعداد الخطط اللازمة لتأهيلهم وحل مشكلتهم المزمنة.
الهنداوي ينتقد التقارير التي نقلت عن وزارة التخطيط رقماً «وهمياً ومبالغاً فيه» للترويج لاهداف سياسية لا علاقة لها بأوضاع المشردين. ويشير في هذا السياق الى التقارير التي نقلت عن الوزارة ان عدد المشردين في العراق وصل الى 500 الف مشرد بعد سقوط النظام السابق، بالإضافة الى أكثر من 5 ملايين يتيم ومثلهم من الأرامل كحصيلة لأحداث ما بعد العام 2003. لكن لا يوجد اي مصادر موثوقة، كما يقول الهنداوي، لهذه الارقام الافتراضية.
الباحث سلام الاعرجي يستهجن ما يسميه «خرافة الأرقام المليونية» التي تقدمها هذه التقارير، لكنه في الوقت ذاته يستهجن بشكل أكبر «سذاجةَ» الأرقام التي تطرحها المؤسسات الحكومية العراقية، فليس من المعقول كما يقول الاعرجي أن يكون عدد المشردين بضعة مئات فقط في بلد مثل العراق عانى ثلاثة حروب وحصاراً اقتصادياً طويلاً وصراعاً طائفياً امتد لسنوات.
الأرقام التي طرحتها إدارة الدارين الوحيدين في العراق (دار المشردين ودار المشردات في بغداد)، تؤيد ما ذهب اليه الاعرجي، فلا تضم هاتين الدارين رسميا سوى 62 مشرداً و 47 مشردة.
وما بين الفرق الشاسع في الأرقام المطروحة (109 مشردين وفق الاحصائيات الرسمية و500 الف مشرد بحسب بعض التقارير)، يعيش المشردون الحقيقيون في العراق وضعاً خطيراً فشلت الدولة حتى الآن في معالجته أو فهمه بشكل صحيح، كما يقول الاعرجي، الذي يطلب من الحكومة أن «تنتظر قليلا لترى كيف سيكون ملف التشرد بوابة عنف واسعة في العراق، إذا لم يُتدارك أمرها منذ الآن».
العنف.. أول الأبواب المشرعة
ما زال الفتى صفاء الذي هربه جنود عراقيون بسيارتهم العسكرية الى العاصمة بغداد بعد مقتل كل أفراد عائلته بقصف اميركي في مدينة الفلوجة، يشعر بالقلق حيال فكرة عودته الى مدينته مجدداً والتعرض للظروف ذاتها التي دفعت بوالده واثنين من أعمامه للانضمام الى تنظيم القاعدة.
سيخرج صفاء بعد بضعة أشهر من دار المشردين في ختام 6 سنوات قضاها بين جدرانها، لكنه لا يعرف حتى الآن الى أين سيمضي بعدها.
البقاء في شوارع بغداد المحفوفة بالمخاطر ليس اقل خطراً من العودة الى الفلوجة التي قاتل فيها أبوه وأعمامه الكثير من الجماعات المسلحة المتصارعة على النفوذ في المدينة قبل مقتلهم في الغارة الجوية. لكن قانون المشردين سيفرض على صفاء ان يبحث عن طريقه بنفسه.
يعتقد مسؤول بارز في قيادة عمليات بغداد التي تتولى الملف الأمني في العاصمة، أن المشردين ما زالوا يشكلون خطراً بالغاً على مجمل الحياة في العراق، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا العنف المسلح، فهناك عدد كبير من المشردين ثبت ضلوعهم بزرع العبوات الناسفة او وضع عبوات لاصقة تحت سيارات مستهدفة او مراقبة عناصر نقاط التفتيش لمعرفة عدد الجنود المتواجدين في موقع عسكري معين، وبعضهم كان يَسْتَرِق السمعَ بالقرب من جنود الدوريات بحجة بيع الماء او الحلويات.
يرفض المسؤول البارز ان يعطي أي أرقام، حتى لو كانت تقريبية، لعدد المشردين الذين التحقوا بالعمل المسلح او شاركوا فيه. لكنه يروي كيف أن عناصر تنظيم القاعدة كانوا يستغلون حاجة المشردين الصغار للمال من اجل استخدامهم في عمليات تفجير مبتكرة، واحدة من هذه القصص كانت قصة الحمال الصغير «سعيد» الذي طلب منه رجل مجهول نقل بضعة أكياس فاكهة الى سيارته المركونة في طرف السوق.
ظل سعيد يومها يبحث عن الرجل المجهول الذي غاب وسط الحشود، وسرعان ما كانت أشلاء سعيد تتطاير مع أجساد عدد من المتبضعين جراء انفجار مادة ال C4 التي وضعها الرجل المجهول في أكياس الفاكهة وفجرها من بعد.
الطريقة نفسها اتبعها التنظيم في مناطق أخرى من العراق، ففي محافظة ديالى اعتقلت القوات الامنية 11 صبياً مشرداً، تورط أحدهم في وضع عبوة لاصقة في سيارة موظف كبير مقابل 20 الف دينار فقط (17 دولار أميركي) ما تسبب بقطع ساق الموظف وعجز شبه تام في باقي أنحاء جسده.
ضابط التحقيق الذي تولى استجواب المشردين الصغار، ظل محتفظاً في ذاكرته بمشهد الفتى الذي انهار وهو يدرك، لأول مرة، أن «الأمانة» التي أوصلها مقابل 10 آلاف دينار (7 دولارات)، ستكلفه البقاء في السجن ما لا يقل عن 7 سنوات.
الأمانة التي طلب منه «رجل غريب» إيصالها لصديقه صاحب محل بيع الأقمشة في طرف السوق، كانت عبارة عن عبوة ناسفة موضوعة داخل مغلف سرعان ما انفجرت وتسببت بمقتل صاحب المحل وجرح آخرين كانوا بالقرب منه.
مشردون... وقادة عصابات
في الطرف الآخر من معادلة استغلال المشردين من قبل التنظيمات المسلحة لتنفيذ اعمال عنف، يقف المشردون أنفسهم في صراع مع باقي فئات المجتمع، من خلال العصابات التي يشكلونها بعيداً من أعين السلطات، ويبرعون في قيادتها او الانضواء فيها. وتحفل سجلات شرطة بغداد بأسماء عدد كبير من عصابات القتل والابتزاز والسرقة التي كان يقودها مشردون.
غالبية المشردين الذين التقتهم كاتبة التحقيق في سجن الأحداث ببغداد على خلفية انتمائهم لعصابات السرقة والمجموعات المسلحة، ينحدرون من أسر امتهنت الإجرام والسرقة او مارست العنف ودفعت أبناءها للسير في الطريق نفسه، آخرون انحرفوا بإرادتهم واختاروا حياة التشرد، لكنهم جميعاً كما يرى الباحث في سجن الأحداث ماجد حسام الدين، كانوا ضحية الفقر وانتشار مظاهر الجريمة بشكل واسع منذ تسعينيات القرن الماضي.
أخطر العصابات التي انتشرت في بغداد خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وصولا الى سقوط النظام السابق في نيسان (ابريل) عام 2003، كما يقول حسام الدين، كان يقودها فتيان مشردون يقتل بعضهم بعضاً في ممرات المصارف الحكومية والأهلية او أروقة أسواق الذهب التي نهبوها آنذاك.
كثير من هذه العصابات قام بعضها بتصفية بعض في ما بعد، لكن الذين نجوا من حرب التصفيات الجسدية انخرطوا في الجماعات المسلحة وأصبحوا أبشع آلة للقتل إبان مرحلة العنف الطائفي التي اندلعت في العراق ما بين عامي 2006-2008.
يتذكر حسام الدين كيف أن أسعار المقصات القادرة على كسر الأقفال الحديدية الكبيرة ارتفعت بشكل كبير حين بدأ «الربيع العربي» مطلع هذا العام، فقد كانت العصابات التي يقودها المشردون تتحرك علناً بالقرب من محلات الذهب وحتى المصارف بانتظار أي تطورات أمنية على خلفية التظاهرات، ففي العراق غالباً ما تكون أي متغيرات على الساحة فرصة تقتنصها عصابات المشردين للانتقام من المجتمع والاستحواذ على كل ما يصلون اليه.
المشردون... أرخص بضاعة
في سوق الأعضاء البشرية
أحصى المحقق في وزارة الداخلية رحيم اللامي، أكثر من 25 حالة إتجار بالأعضاء البشرية كان ضحيةَ 14 منها مشردون تقل أعمارهم عن 18 سنة. الأرقام التي ذكرها اللامي هي فقط ما تمكَّن من متابعته هو شخصياً خلال العام الماضي فقط.
يقول اللامي إن اغلب هذه الحالات كانت تتعلق ببيع كلى مشردين قامت عصابات منظمة بنقلهم من بغداد ومدن الجنوب الى محافظات أخرى تتواجد فيها مستشفيات متخصصة بأمراض الكلى. لا يكشف اللامي عن المعالجات التي وُضعت من قبلهم للحد من هذه الظاهرة، لكنه يقول ان بعض الضحايا الذين باعوا كِلاهم كانوا يبررون ما فعلوه بأن خسارة جزء من الجسد مقابل بضعة آلاف من الدولارات، أفضل بكثير من خسارة الجسد والروح معاً نتيجة الاضطرار للانخراط في العمل الإجرامي الخطر، أو ربما الموت جوعاً.
تكلف عملية نقل كلية واحدة كما يقول اللامي، قرابة ال 25 مليون دينار (22 الف دولار)، تخصم منها أجور الجراحين المتخصصين وتكاليف المستشفى وعمولة الوسطاء، ولا يتبقى منها في النهاية سوى 5 الى 6 مليون دينار فقط (5 آلاف دولار) يتسلمها «المتبرع» الذي سرعان ما يعود الى التشرد بعد نفاد المال، ولكن هذه المرة بكلية واحدة.
ثغرات في القانون
مسؤولو داري المشردين، الخبراء والباحثون الذين شاركوا في هذا التحقيق، وهم قضاة ومحامون وعدد من ناشطي المجتمع المدني، يعتقدون ان ظاهرة التشرد ستتحول الى المشكلة الأكثر خطورة على مستقبل الاستقرار في العراق، فبعد إغلاق ملفات العنف المرتبطة بالتحولات السياسية السائدة الآن، سيتحول المشردون الى خزين إستراتيجي لعصابات الجريمة المنظمة والعصابات العادية على حد سواء.
يجمع هؤلاء على أن البدء بتعديل قانون المشردين ومعالجة ثغراته ينبغي الاّ يتأخر أكثر من هذا، لأنها الخطوة الاولى على الطريق الصحيح في معالجة ظاهرة التشرد. ويحدد الخبير القانوني عبد الوهاب الصائغ جملة من الثغرات التي يعتقد أنها «فاضحة» في قانون المشردين في العراق.
الثغرة الأكثر خطورة في قانون المشردين، كما يشير الباحث صائب العمري، هو إجبار المشردين الذي يبلغون السن القانونية على مغادرة دار المشردين من دون ان تكون هذه الدور أصلاً قد سلّحتهم بمقومات العيش، مثل المهنة او التعليم او ايجاد مأوى مناسب يحميهم من الانحراف او الجريمة التي تنتظرهم في الخارج.
لكن المحامي حسن شعبان يجمع بين الثغرات الموجودة في القانون وبين الخلل في التطبيق باعتبارهما «السبب الرئيسي في ما يشهده ملف المشردين من فوضى»،
فالمشردون يفتقدون بعد خروجهم من الدار لرعاية مؤسسات الدولة، ولا يخضعون لأي رقابة، وفي الوقت ذاته تواجههم مشكلة النظرة الدونية التي ينظر بها اليهم افراد المجتمع.
هذه التركيبة المعقدة لاوضاع المشردين خارج اسوار دور الدولة، تجعلهم اداة طيعة بيد التنظيمات المسلحة وعصابات السرقة وحتى لمخاطر الاستغلال من قبل مجموعات او اشخاص منحرفين، كما يعقب المحامي شعبان.
* أنجز هذا التحقيق بالتعاون مع المنتدى الاستقصائي العراقي (نيريج) وبإشراف محمد الربيعي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.