تعتبر المقابلة الصحافية من أهم عمليات الإعلام الحي الذي يرمي بخط مباشر بين المدعو موضوع المقابلة والمتلقي، قارئاً كان أم مشاهداً. وتكتسب المقابلة أهميتها من غياب أي عامل تحليلي عن المعلومة المنقولة داخل المقابلة، أي أنها، من حيث المبدأ، تواصل مباشر بين مصدر المعلومة والمتلقي، ينقل الأول للثاني رأيه مباشرة أو وجهة نظره عن موضوع ما. ومن حيث المبدأ أيضاً يكون دور الصحافي الذي "يدير" المقابلة، إذاعية كانت ام تلفزيونية، وضع إطار للموضوع وتوجيه سيل المعلومات حسب الإطار المخطط له مسبقاً. وقد يبدو دور الصحافي متراجعاً حسب هذا التعريف، غير أنه دور مركزي تزداد أهميته في الإعلام التلفزيوني نظراً الى التأثير المباشر الذي يمكن أن يقوم به على مجرى المقابلة وسياقها العام. فقوة الإعلام المرئي، خصوصاً إذا كانت المقابلة مباشرة وعلى الهواء، تكمن في أنها تلغي كل التحضيرات المسبقة والخطط الموضوعة من قبل المدعو أو الضيف وصاحب الدعوة أو الصحافي. فقط يمكن لخبرة الإعلامي والمعرفة بعلم التواصل ترجيح "ميزان" المقابلة،وايصال "الرابح" إلى أهدافه. ومن المفترض أن تكون الأهداف الإعلامية متطابقة ومتمثلة بالنسبة الى المدعو بأن يوصل إلى المتلقي ما يحمله من معلومات أو من أحاسيس أو من أراء تتعلق بموضوع اللقاء. والهدف بالنسبة الى الصحافي هو "تكثيف" عملية استخراج المعلومات خدمة للقارئ او للمشاهد وتعميق الولوج إلى أحاسيس ومشاعر المدعو وتوضيح الأراء المطروحة ووضع إطار لها ليتسنى للمتلقي تكوين صورة واضحة عن الموضوع. واذا كان هناك تفاوت في الأهداف فيجب أن يكون من حيث المبدأ أيضاً باتجاه تقوية الإشارات الإعلامية الصادرة عن المعلومات المتناولة. كأن يمتلك المدعو معلومات لا يود الإفصاح عنها كاملة، بينما يحاول الصحافي صاحب الدعوة الذهاب إلى أقصى حدود في محاولة سبر غور المعلومات لدى المدعو. ويشكل "الصراع على البلاتو" نوعاً من الإثارة، ويلعب الصحافي دور "مندوب" المشاهد ينوب عنه في محاولة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تهمه، ما يجعل برامج المقابلات شيقة وتشكل موعداً مهماً في تسلسل البرامج التلفزيونية. وتتنوع برامج المقابلات التلفزيونية حسب المواضيع المطروحة، من فنية واجتماعية مروراً بالمواضيع الرياضية والسياسية. ولعل المقابلات السياسية هي في مقدمة البرامج التي تثير اهتمام المشاهدين لمتابعة الحوارات الساخنة والأسئلة الاستفزازية ومحاولات حشر المدعو لإحراجه والحصول منه على تصريحات أو معلومات مهمة تشكل حدثاً بحد ذاتها. وقد انتشرت البرامج المثيرة في تلفزيونات العالم وانتقلت اخيراً إلى التلفزيونات العربية وللإشارة وليس للحصر نذكر منها برنامج "الاتجاه المعاكس" أو "اكثر من رآي" على قناة "الجزيرة" و"كلام الناس" على شاشة "إل بي سي"، وفي الغرب برنامج لاري كينغ على "سي إن إن" أو برنامج "أوروب إكسبرس" الفرنسي على القناة الثالثة، أو "Hard Talk" على قناة "بي بي سي". وبالطبع فإن تقنيات المقابلة تختلف من بلد إلى آخر وتتأثر بعوامل كثيرة، أهمها نوعية المواضيع المعالجة غير أنه توجد قواسم مشتركة للقواعد الإعلامية الفنية المتعلقة بهذه المقابلات الصحافية التلفزيونية. ولا تشكل المعلومة ومعالجتها الهدف الوحيد للصحافي بل هي أحد أهدافه. ففي ظل المنافسة الشديدة بين مختلف الأقنية التلفزيونية لجذب المشاهد و"المحافظة" عليه أمام شاشة التلفزيون على البرامج الخاصة بها، تشكل برامج المقابلات الصحافية والحوارات المباشرة سلاحاً مهماً في سباق الحصول على أعلى نسبة من المشاهدين والتي تقوم به شركات متخصصة، وهو ما يسمى قياس المتابعة االإعلامية Mediameter، وهو قياس شبيه بقياس نسبة توزيع الصحافة المطبوعة والتحقق من انتشارها. وحسب هذه القياسات يعتبر البرنامج ناجحاً في حال حصوله على أكبر نسبة متابعة ولأطول فترة ممكنة. ذلك أن المشاهد يستطيع أن يغير القناة وينتقل إلى برنامج آخر وهو ما يسمى "زابينغ" Zapping ويحصل هذا في حال تسلل لحظة ملل إلى البرنامج. ومن مهمات الصحافي أو الإعلامي التلفزيوني أو مقدم البرامج منع وصول الملل إلى نقطة معينة حتى لا يتحول المشاهد إلى قناة أخرى. وهناك تقنيات معروفة من العاملين في الإعلام المرئي والمسموع للوصول إلى هذا الهدف، وتظهر بقوة في المقابلات الصحافية. ومن بين هذه التقنيات ما يمكن تسميته ب"الجديد المتجدد في سيل المعلومات" ولتطبيق هذه التقنية يحاول مقدم البرنامج أن يُحدث انعطافاً نحو معلومة جديدة كل فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الدقيقة ونصف الدقيقة". لذا فإننا نلاحظ في البرامج الجيدة أن الصحافي يلجأ إلى مقاطعة المتحدث كل حوالي دقيقة أو دقيقة ونصف دقيقة، إما بسؤال أو بتوضيح لما يقوله المتكلم يتطلب تأكيداً من قبل المتكلم. قد تغضب هذه الطريقة نسبة من متابعي البرنامج خصوصاً المهتمين بالموضوع المطروق لكن الإحصاءات تشير إلى أنه على رغم من هذا الغضب فإن قلة من هؤلاء ينتقلون إلى برنامج آخر، وهذا ما هو مطلوب وسبب تدخل المقدم في سيل الحديث. علوم التواصل وتؤهل علوم التواصل والإعلام الصحافي وتمدّه بتقنيات معالجة متغيرات الحديث واستباق انعطافاته من حيث المعنى وهدف الكلام، بحيث أن المدعو "البسيط" الذي يجهل هذه القواعد يكون أشبه ب"الحمل أمام الجزار" على البلاتو. ومن الطبيعي أن يكون الصحافي والإعلامي المختص أكثر دراية بعلم التواصل والإعلام من الشخص المدعو للمقابلة. لذا يلجأ العديد من السياسيين إلى الاستعانة بمتخصصين في علم التواصل لتحضير مقابلاتهم والتدرب عليها. وفي المقابلات السياسية يكون دور الصحافي اساسياً في إعطاء اتجاه معين لسيل المعلومات المتدفقة خلال المقابلة، وفي حال كان متحيزاً يمكنه أن يؤثر كثيراً على ما يأتي به من معلومات الضيف، وفي بعض الأحيان يمكن أن تنتهي المقابلة بوصول المعلومة إلى المشاهدين بشكل مخالف$ لما أراده الضيف، أو على أقل تقدير بشكل مشوه. وأفضل مثال على ذلك حلقة من برنامج "Hard Talk" الذي بثته قناة "بي بي سي" في 16 الشهر الجاري ويقدمه الصحافي المخضرم تيم سيباستيان". فقد كان المدعو بيتر هانسن مدير الاونروا في المناطق الفلسطينيةالمحتلة. وبالطبع كان محور المقابلة المجازر التي تتهم المنظمات الانسانية اسرائيل بارتكابها خصوصاً في مخيم جنين ونابلس. وقبل تحليل قسم من هذه المقابلة نلتفت إلى ما يمكن تسميته ب"الحالة الفكرية للمشاهد" أي الظروف المؤهبة لتلقي المعلومات، وهي مجموعة المعلومات المتوافرة لديه عن الموضوع حسب ما سبق وقرأه أو لم يقرأه في الصحافة أو شاهده أو لم يشاهده على التلفزيون وفي نشرات الأخبار. كما تشمل أيضاً البديهيات المتعلقة بالبرنامج التلفزيوني وهدفه الإعلامي إظهار الحقيقة بالنسبة الى من لم يطلع مسبقاً على الموضوع، تأكيد أو نفي الإشاعات بالنسبة الى من كان مطلعاً على الخبر ودور كل من "اللاعبين" ممثل الأممالمتحدة والصحافي. الأول يعتبر مصدراً موثوقاً يعتمد ذلك على الصورة الإعلامية الجيدة التي تتمتع بها الأممالمتحدة والثاني يعتبر مهنياً جيداً نظراً الى خبرته والى ثقة المشاهدين بقناة "بي بي سي". ومن الطبيعي أن بيتر هانسن وافق أو سعى للحصول على المقابلة لتوضيح صورة ما تراه الأممالمتحدة من انتهاك لأبسط قواعد حقوق الانسان في فلسطين. ومن المفترض أن الصحافي يسعى لإعطاء فرصة للمدعو ليقول ما يريد قوله سعياً لإنارة الرأي العام البريطاني والعالمي. لكن للأسف جاءت النتيجة معاكسة تماماً لما أراده هانسن وأظهرت انحياز الصحافي البريطاني بشكل سافر وغير مهني فبدا البرنامج وكأنه حلقة من الهجوم الإعلامي المضاد الذي تسعى إليه إسرائيل لامتصاص موجات الاستنكار لما حصل في الأراضي الفلسطينية التي أعادت احتلالها. واستعمل الصحافي الخبير كل تقنيات الإعلام وعلم الكلام وعلم الدلالة والجدلية لإخراج معنى أقوال المدعو من سياقها ونزع عنها كل ما يمكن أن يشكل "تأكيداً" لما جاء في كلام ممثل الأممالمتحدة لخطورة ما حصل في جنين. ونورد ثلاثة مقاطع من المقابلة الترجمة ليست حرفية لكنها تفيد المعنى بشكل واف يبرز من خلالها التلاعب وتقنيته مع الإشارة إلى الكلمات التي شكلت نقاط تحول وغيرت صيغة تلقي المشاهد للمعلومة مع توضيح الأسباب. لا تقل نعم لا بد لكل من يريد ألا يحصل له ما حصل لهانسن أن يحفظ هذه القاعدة الأساسية في علم الكلام في الإعلام المرئي والتي تنص على عدم الإجابة بنعم أو لا فقط بعد سؤال موجه من الصحافي. كان هانسن يتكلم عن عدد الضحايا الذين أخرجوا من تحت الانقاض، وقبل أن ينطق بعدد القتلى، قاطعه بعد أقل من دقيقة سيباستيان قائلاً: - سقط للإسرائيليين 13 قتيلاً في معركة جنين، أليس كذلك؟ يبدو أنها كانت معركة شرسة؟ - نعم! إذا حللنا ودرسنا لحظة تدخل الصحافي بالحديث وبنبرة قوية، نرى أنه قطع حديث المدعو قبل أن ينطق بعدد القتلى الذي يتجاوز عدد القتلى الإسرائيليين بكثير، و"حوّل" انتباه المشاهد إلى رقم نطق به وهو عدد القتلى الإسرائيليين، إضافة إلى أن هانسن بقوله "نعم" أكد هذا الرقم كما أكد أيضاً شراسة المعركة. وتكون نتيجة "حسبة ميزان المعلومات" التي وصلت إلى المشاهد هو عدد القتلى الإسرائيليين وشراسة المعركة. والمعنى الرمزي للمعلومة المتلقاة هو أنه لا توجد "مجازر" بل "معارك شرسة"، وإذا وجد قتلى بين الفلسطينيين في حال عاد المدعو إلى نقطة مقاطعة الحديث وذكر عدد القتلى في الجانب الفلسطيني فيعود هذا بالنسبة الى المعلومة المتلقاة إلى شراسة المعركة. وفي مقطع آخر يتكلم هانسن عن العدد الكبير للمنازل التي دمرت، فيقول له الصحافي: ألم تقل لي أن المعركة كانت شرسة؟ فيجيبه بنعم! وفي هذا سحب لقوة "صورة معلومة المنازل المدمرة" من أمام المشاهد. وعندما يحاول ممثل الأممالمتحدة الحديث عن إطلاق النار من قبل الإسرائيليين على سيارات الإسعاف وسيارات الأممالمتحدة يقاطعه أيضاً الصحافي ليقول له أن إسرائيل تدعي استعمال سيارات الأممالمتحدة لنقل الأسلحة والمقاتلين. وقبل أن يحاول هانسن الإجابة يفاجأه سيباستيان بسؤال مباشر موجه اليه شخصياً ويقول: - هل يمكنك أن تجزم أنه لم يتم استعمال سيارات الأممالمتحدة ولا مرة واحدة من قبل الفلسطينيين؟ فيرد هانسن: لا. - إذاً استعملوا على الأقل مرة واحدة سيارات الأممالمتحدة لنقل المتفجرات؟ - من الممكن... يقاطعه الصحافي - إذاً استعملوا مرة سيارات الأممالمتحدة، ولا تستطيع أن تجزم أنها المرة الوحيدة. - لا استطيع أن أجزم، ولكن... - إذا يمكن أن يكونوا قد استعملوا سيارات الأممالمتحدة للقيام بأعمال حربية ولا تستطيع أن تنفي ذلك... يحاول هانسن توضيح وجهة نظره، لكن سيباستيان يباغته بسؤال في اتجاه آخر وهو ينظر إلى أسفل من وراء كتفه حيث توجد الساعة وكأنه يشير إلى أن الوقت يمر بسرعة ويجب الانتقال الى موضوع آخر. ولكن يتبين أن السؤال الجديد هو لتأكيد الشك الذي زرعه الصحافي حول إمكان استعمال أجهزة الأممالمتحدة للتحايل على الحواجز الإسرائيلية. ونلاحظ أيضاً أن الحديث يدور حول الفلسطينيين فقط وليس حول إسرائيل وتصرفاتها. فيقول الصحافي: - هل سبق للفلسطينيين أن خانوا ثقتكم وكذبوا عليكم؟ - مرة واحدة في مركز سبلين في لبنان... يقاطعه الصحافي مرة أخرى: - إذاً سبق لهم أن كذبوا واستعملوا جهاز الأممالمتحدة لإخفاء أسلحة؟ يحاول هانسن الذي فهم أن الموضوع يخرج عن هدف المقابلة إعادة الأمور إلى إطارها فيقول: - كان ذلك في لبنان... ولكن الصحافي المتمرس بفن الإعلام لا يترك له مجالاً فيقاطعه بدوره قائلاً: - سبق للأمم المتحدة أن خبرت هذا الأمر ولا يمكن أن تجزم أن هذه الأمور لم تحصل... مراراً... تقنيات جسدية هذا مثال بسيط على الإمكانات الهائلة التي هي في متناول يد الصحافي خلال المقابلة الصحافية المباشرة لتحويل هدف المقابلة بشكل تنتهي إلى عكس ما يسعى اليه المستضيف، أو على الأقل لتخفيف ما يريد أن يوصله من معلومات إلى المشاهدين. ولا تقتصر أساليب الإعلامي على طريقة "إدارة" المقابلة بل يلجأ أيضاً إلى تقنيات "حركة الجسد الإعلامي" عن طريقة النظر إلى المدعو وتركيز الكاميرا على وجه الصحافي حين يسأله سؤالاً يضع على المحك "مهنية" المدعو والثقة بكلامه على رغم كون السؤال أصلاً غير ممكن الإجابة عليه إلا بالشكل المنتظر مثل: "هل تستطيع الجزم بعدم إمكان حصول أمر ما؟" وهو نوع من الأسئلة لا يمكن أبداً أن تكون الإجابة عليه إيجابية. وتسمى "الأسئلة ذات الجواب المؤكد" وتكون مبنية على "نفي النفي" أي التأكيد المستحيل. وفي نهاية المقابلة يلجأ الصحافي إلى حركة تبدو اعتيادية وطبيعية ونراها كثيراً على شاشات التلفزيون الأنكلوساكسونية مثل أن يمد يده إلى المدعو ويسلم عليه بحرارة. وقد يتبادر إلى ذهن المشاهد ان ذلك دليل احترام طبيعي، لكن اتجاه حركة الأيدي والتشديد عليها يترك في لاوعي المشاهد انطباعاً "باتفاق الرجلين على ما تم التوصل إليه خلال المقابلة"، أي أن كل ما قيل هو الحقيقة... كل الحقيقة. وقد تكون المقابلة المذكورة أو غيرها قد تركت هذا الانطباع لدى أكثرية المشاهدين والمتابعين لهذا البرنامج، وقد تكون ولّدت حسرة لدى "المهتمين والعارفين" بحقيقة ما يجري على الأرض، لكن الإعلام لا يهتم إلا بالأرقام الكبيرة، والرأي العام تشكله الجموع الكبيرة والصحافي يتوجه لهذه الجموع فقط، وهي تكتفي بما تراه وتسمعه وتظنه الحقيقة، تلك الحقيقة كما يرسمها الإعلام