ربما يكون هذا القصر من أغرب معالم القاهرة. ومع هذا، قد يمرّ الزائر بالقرب منه مرور الكرام من دون ان ينتبه اليه. اما الاطفال فإنهم يخافون الاقتراب منه ليلاً، لاعتقادهم - واعتقاد كثيرين غيرهم - انه بات مأوى للأشباح والشياطين. ومع هذا يعتبر القصر تحفة معمارية. وهو في الاصل جزء، من مشروع خيالي حلم به ذات يوم ثري بلجيكي، هو البارون امبان، وانشأه آملاً ان يجعل منه بداية مدينة تعمر الصحراء ويكون عمرانها على نمط شرقي عريق. بعد عشرات السنين تحقق جزء من حلم البارون: صارت المنطقة المحيطة بالقصر والتي كانت صحراء منطقة عمرانية تشكل اليوم جزءاً من مصر الجديدة لكن عمرانها غربي عادي، بحيث يشكل القصر الاستثناء شبه الوحيد فيها. باني القصر هو رجل الاعمال البلجيكي البارون إمبان الذي كان يعيش في مصر في نهاية القرن التاسع عشر. ذات يوم واتت البارون فكرة انشاء حي في الصحراء شرق القاهرة، واختار له اسم "هليوبوليس" اي مدينة الشمس وهو الاسم نفسه الذي كان اطلقه الفراعنة على المنطقة المتاخمة للموقع الذي حدده إمبان، والتي تعرف اليوم ب"عين شمس". وتحقيقاً لفكرته تلك سرعان ما شيد إمبان في وسط ذلك الموقع قصراً خاصاً به، ثم كلّف المهندس البلجيكي اندريه برشلو، الذي كان يعمل في ذلك الوقت مع شركة "مترو باريس"، بانشاء خط للمترو يربط الحي الجديد بالقاهرة. بدأ العمل في بناء القصر العام 1905 وانتهى في 1908 وهو العام نفسه الذي تم الانتهاء فيه من تشييد معظم مباني حي "هليوبوليس" التي بهرت المصريين فأطلقوا على الحي اسم "مصر الجديدة". واعتبروه بمثابة مدينة تضارع عاصمتهم التي يعود الفضل في رونقها الحديث الى الخديوي اسماعيل الذي كان يحلم بأن تكون القاهرة "باريس الشرق". ويصف الدكتور محمد حسين هيكل في روايته "هكذا خلقت" التي اصدرها العام 1955 "مصر الجديدة" قائلاً: "اني لأذكر يوماً العام 1909 ذهبت فيه الى ضاحية مصر الجديدة في بدء انشائها فلم يكن يوجد بها سوى عدد قليل من المنازل". هنا لابأس ان نذكر انه فور اعلان البارون إمبان تكوين "شركة هليوبوليس" لبناء "مصر الجديدة"، غطت الاسهم التي اشتراها الجمهور 83 مرة المبلغ المطلوب لبدء انشائها، وكان في حدود 2.5 مليون جنيه مصري. واشترك في ادارة هذه الشركة بوغوص باشانوبار، المصري الجنسية. واشترت الشركة من الحكومة اراضي ليقام عليها الحي بلغت مساحتها 25 كيلومتراً مربعاً اي حوالي 5952 فداناً، وكان ثمن الفدان في ذلك الوقت، لا يتعدى جنيهاً واحداً. ولم يكن غريباً ان يحتفل البارون في العام 1911 مع الأمير حسين كامل، نائباً عن الخديوي عباس حلمي، بافتتاح اول مسجد في "مصر الجديدة" في حضور عدد كبير من المسؤولين المصريين في مقدمهم ناظر الاشغال اسماعيل سري باشا وناظر المعارف حشمت باشا. وعقب ذلك عرض البارون إمبان بيع اراض في المدينة الجديدة ب40 قرشاً للمتر الواحد سعر المتر الآن فيها 20 ألف دولار اي حوالي 70 ألف جنيه مصري، فتدفق المشترون. أما القصر فقد اصبح منذ تشييده مثار اعجاب المصريين، نظراً الى طرازه الهندي وجدرانه وأرضياته التي صنع معظمها من المرمر والرخام الاصلي، وزخارفه والتماثيل التي تتصدر مدخله. ويتكوّن القصر من طابقين يضمان 12 غرفة، اضافة الى برج كبير شيّد على الجانب الأيسر يتألف من أربعة طوابق يربطها سلم حلزوني. ويشغل القصر وحديقته الواسعة مساحة 23 ألفاً و500 متر مربع. وبعد 12 عاماً من الاقامة في القصر غادر البارون إمبان مصر عائداً الى بلجيكا. ويقال انه فعل ذلك حتى يتخلص من ضغط السلطان حسين كامل، حاكم مصر في ذلك الوقت، لأن هذا كان يريد منه ان يهدي اليه القصر ليتخذه مقراً لحكم البلاد. ومنذ ذلك الحين أُغلق القصر ولا يزال. ومن غرائب هذا القصر انه مبني على قاعدة خرسانية "ورولمان بلي" ليدور بالقصر حسب اتجاه الشمس. وتوجد في احدى قاعاته ساعة أثرية لا مثيل لها سوى في قصر باكنغهام في لندن، حيث تحدد الوقت بالثواني والدقائق والساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة، كما تحدد تغيرات اوجه القمر ودرجة الحرارة. في العام 1946 بعد غياب طويل عاد البارون إمبان الى قصره، لكن لم تمض على عودته سوى فترة وجيزة حتى اعلنت وفاته وجرى حرق جثمانه بناء على طلبه، ونثر رماده داخل القصر وفي الحديقة. بعد رحيله تبين ان البارون إمبان باع القصر الى كل من زوجته وابنته اللتين قامتا بدورهما ببيعه العام 1955 الى مستثمرين احدهما سوري والآخر سعودي، بمبلغ 7 آلاف جنيه فقط. ولم يستغل القصر منذ ذلك الحين، في اي نشاط باستثناء تصوير معظم مشاهد فيلم "الهارب" من بطولة شادية وحسين فهمي داخله في العام 1961، وتصوير اغنية للمطرب محمد الحلو بطريقة الفيديو كليب قبل عامين. وبسبب اغلاقه المستمر، نسج الناس حول "قصر البارون" الكثير من القصص الخيالية ومنها انه صار "مأوى للشياطين" وربما كان ذلك هو ما دفع مجموعة من الشباب اطلقوا على انفسهم اسم "عبدة الشيطان" الى التردد على القصر ليلاً لممارسة طقوس غريبة قبل ان توقفهم الشرطة منذ نحو عامين. وفي العام 1993 اصدر رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي قراراً باعتبار القصر أثراً اسلامياً بمعنى انه مَعْلم لا يجب ان تمتد اليه يد التطوير بأي شكل من الاشكال. ويرفض حراس القصر حالياً السماح لأي شخص بدخوله بعدما أحكموا اغلاق نوافذ الطابق الارضي منعا لأي تسلل من أن تحدّثه نفسه بالتفرج على ما في داخل القصر