مشهد سوريالي، بل مدينة سوريالية تستقبل القادم إليها. فالعاصمة الأفغانية التي عبرتها حضارات وتركت بصماتها عليها، عبرتها أيضاً حروب حديثة وتركت أكثر من بصماتها. لقد تحولت كابول إلى كتلة من الدمار وأبناؤها الذين قاوموا الغزو والاحتلال الى مشردين ولاجئين. وبينما تستعد المدينة لاستقبال فصل الشتاء يندر أن يجد سكانها ليتراً من الوقود السائل للتدفئة في منازل اخترقتها القذائف من كل الجهات تاركة فيها ثغرات مشرعة أمام زمهرير الشتاء القارس. "الوسط" زارت العاصمة الأفغانية أو ما تبقى منها، وعاينت مآسي السكان والتحولات التي تشهدها المدينة. حين وصلت الى كابول كانت حركة طالبان تحتفل على طريقتها الخاصة بالذكرى السنوية الأولى لاستيلائها على السلطة واقصائها حكومة الرئيس السابق برهان الدين رباني الى الشمال الافغاني. وحين توجهت الى وزارة الخارجية الافغانية للوقوف على آخر التطورات العسكرية والسياسية كان الوزير وكل العاملين في الوزارة داخل المسجد يبتهلون الى الله بالدعاء ان ينصر مقاتلي طالبان في الشمال. وخارج الوزارة ترى فقط النسوة والعجزة بل الشباب ينتظرون ان تجود عليهم يد كريم موسر بشيء من المال، فالوضع في كابول لم تشهد له المدينة مثيلاً في تاريخها الحديث. في الداخل لم تكن الصورة مختلفة كثيراً، فقد كانت شاحنة تابعة للجنة الدعوة الاسلامية الكويتية تقف امام المدخل الرئيسي لوزارة الخارجية لتوزيع المواد الغذائية على موظفي الوزارة الذين لم يخفوا مشاعر السرور والبهجة لهذا المشهد الذي طالما انتظروه. وقال احد المسؤولين في الوزارة ل "الوسط": "ان ما نتسلمه الآن يعادل كل راتبنا أو يزيد، فالراتب لا يشتري لنا أكثر من كيس طحين". وحين حانت مني التفاتة الى الجانب الايمن كان مرافقي وهو أحد مديري دائرة في الوزارة يتمتم بكلمات فهمت منها قوله "عشنا حتى نرى سيارات الاغاثة والدعم تقف امام وزارة الخارجية الافغانية لتتصدق على الديبلوماسيين"! هذه هي صورة كابول القريبة من الحقيقة. اما الحقيقة فلعل القلم عاجز عن وصفها، وعادة ما تصادف في الطريق سيدة أو رجلاً يقبل قدمك علك تجود بشيء يسد رمقه. جامعة راقية مهجورة حين تدلف الى الجامعة لن تعتقد انك في جامعة من جامعات دول جنوب آسيا، فهي راقية ومجهزة بكل الادوات الحديثة، الا ان الاقتتال بين اخوة السلاح بين عامي 1992 و1993 دمر معظم اجهزة الجامعة وأصاب مبانيها بالخراب. وقال نائب رئيس الجامعة للشؤون التربوية تاج محمد أكبر ل "الوسط": "خسائرنا لا تعد ولا تحصى وهي تُقدر بملايين الدولارات، بين اجهزة الطهي الكهربائية المتطورة والمختبرات والمكتبة التي لا تقدر بثمن لاقتنائها المخطوطات القديمة من المصحف الكريم والكتب الاسلامية النادرة ونحوها". وأشار الى ازرار الكهرباء التي سرقت ونهبت من الجامعة فضلاً عن الأسرّة وغيرها. لكن مسؤولي الجامعة يشيرون الى خسارة أكبر من ذلك كله وهي الخسارة المعنوية المتمثلة في فقدان الكوادر عبر هجرة الادمغة التي كان لها دور مشهود في الماضي. ويقدر أستاذ جامعي عدد الاساتذة الذين كانوا يعملون في الجامعة بأكثر من 2700 اما الآن فلا يتجاوز عددهم 700 لا سيما بعدما طردت طالبان 60 من المحاضرات وثلاثة آلاف طالبة. ومن المؤكد ان كل الاساتذة الباقين في كابول بقوا مرغمين لعدم حصولهم على فرصة للخروج كما حصل لرفاقهم الذين وجدوا فرصة عمل في الخارج، ولذا قال أحد سكان العاصمة "لم يعد هناك كابليون حقيقيون، فمعظم الكابليين، ان لم نقل كلهم، تمكنوا من الخروج من المدينة ووجدوا لأنفسهم مكاناً آخر وتدفق على اثر ذلك ابناء القرى الذين تتماشى عاداتهم وتقاليدهم مع حركة طالبان ولعل هذا هو السبب الذي يحول دون حصول اضطرابات ضد الحركة في العاصمة الافغانية". حرب الغاز في افغانستان لم يكد المواطن الافغاني يستريح من عناء الحرب الباردة التي دفع الجزء الاكبر من فاتورتها حتى بدأت حرب مد أنابيب الغاز من تركمنستان الى باكستان عبر الأراضي الافغانية، ولعل مندوب طالبان في الاممالمتحدة عبدالحكيم مجاهد كان صريحاً وواضحاً حين أعلن ان حرب افغانستان انما هي حرب اقتصادية بين شركات الغاز على رغم ان المسؤولين في كابول ينفون ذلك، وربما كان سبب ذلك قربهم من ساحات القتال وبعدهم عن الساحة السياسية، فنائب وزير الدفاع في حكومة طالبان عبدالسلام الضعيف أبلغ "الوسط" بأن مقاتليه "لا يقاتلون نيابة عن احد وانما من اجل تنفيذ الشريعة الاسلامية". ولا يزال الخلاف مستعراً بين شركتي "بريداس" الارجنتينية و"يونوكول" الاميركية في شأن صفقة الغاز، ولعل مد أنابيب الغاز اضحى الامل الوحيد الذي بقي للشعب الافغاني في تحسين وضعه الاقتصادي. ولكن بعضهم يعتقد ان الخلافات بين طهرانوواشنطن قد تنعكس سلباً على هذا المشروع، فطالبان لا تقدر على منح المشروع للشركة الاميركية خوفاً من اغضاب ايران، خصوصاً اذا عرفنا ان باكستان تقف وراء الحركة، ولذلك فان أي تحرك في هذا السياق ستفسره ايران باعتباره موجهاً ضدها من قبل باكستان، اما اذا منحت طالبان هذا المشروع للشركة الارجنتينية فستعارض اميركا ذلك وتقف ضده حتى لو تم مده عبر الأراضي الايرانية كما أشارت واشنطن أخيراً حين قررت عدم تطبيق العقوبات الاقتصادية الجزئية على ايران، بما يعني السماح للشركات الاميركية بمد أنابيب الغاز من تركمنستان الى ايران وبهذا ستحرم افغانستانوباكستان من المشروع، ويعني ذلك ان الخاسر الأول والأخير اسلام أبادوكابول. يدفع هذا الوضع الكثير من المتابعين لهذا المشروع ان يجزموا بأنه لن يمر عبر الأراضي الافغانية، ولن تستفيد افغانستان منه على الأقل على المدى القريب. الاعلام الافغاني الطالباني أول ما يسترعي اهتمام الزائر في كابول اصرار الحكومة على عدم التصوير وعدم تشغيل التلفزيون. الا ان الزائر يلمح فرقاً في لهجة طالبان حيال التلفزيون هذه المرة اذ ان الامر لم يبت جوازه أو عدم جوازه حتى الآن. وقال وزير الاعلام في حكومة طالبان أمير خان متقي ل "الوسط": "ثمة ثلاث صعوبات تواجه اعادة تشغيل التلفزيون في كابول: الأولى: انعدام وجود الكهرباء والتقنيين، والثانية: عدم افتاء العلماء في شأن التلفزيون حتى الآن ونحن بانتظار فتواهم. اما الصعوبة الثالثة فهي الخوف من تأثير البث الفضائي والترويج للبرامج الاباحية ونحوها". وأبلغ ديبلوماسي اجنبي في كابول "الوسط" بأن الحركة لم تقدم على اتلاف أو اعدام أي من الاشرطة الارشيفية، وتقوم الآن بصيانة دائمة ومستمرة لكل الاجهزة لتشغيلها في الوقت المناسب. النشاط الطالباني في الاعلام المسموع والمقروء ليس قليلاً، فلدى الحركة العشرات من الصحف وبكل اللغات المحلية والاوردية الباكستانية والعربية والانكليزية ونحوها لتوضيح اهدافها والتعريف بها، ولديها "اذاعة الشريعة" التي اشترت لها محطة تقوية اخيراً لتوصيل البث الى مناطق افغانستان كافة. في الاحاديث الخاصة لمقاتلي طالبان ومسؤوليها لا يخفون رغبتهم في السعي الى مد نشاطاتهم الى الدول المجاورة. وتتباين النظرة بين مؤيد للتمدد شمالاً لا سيما بعدما ترددت معلومات عن ارتداء الفتيات المسلمات في اوزبكستان اللباس الشرعي بعد وصول طالبان الى الحدود الافغانية - الاوزبكستانية. وهناك فريق آخر يرى التوجه الى ايران، وثالث يرى ان التوجه ينبغي ان يكون صوب باكستان ولو من خلال التأثير الفكري. وينقل في هذا السياق عن الجنرال أسد دوراني رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستاني السابق في عهد رئيسة الوزراء بنازير بوتو انه في حال وصول قلب الدين حكمتيار الى السلطة في كابول فهذا يعني ان قاضي حسين أحمد رئيس الجماعة الاسلامية الباكستانية سيغدو رئيساً لوزراء باكستان نظراً الى العلاقة الوطيدة بين حكمتيار وحسين أحمد وتأثير البلدين على بعضهما، وسينسحب ذلك على مولانا فضل الرحمن زعيم "جمعية علماء الاسلام" الذي يتمتع بعلاقات وطيدة مع حركة طالبان. وتطمح الحركة المتأثرة بتاريخ وحياة مؤسس الدولة الافغانية أحمد شاه الابدالي في العام 1747 الى اعادة مملكته الممتدة من الهند الى اجزاء من ايران ودول آسيا الوسطى. على رغم التكتم الشديد على الخلافات التي تدب في صفوف طالبان فان الهزيمة التي منيت بها الحركة في ايار مايو الماضي حين تحالفت مع زعيم الميليشيات الاوزبكية عبدالمالك بهلوان الذي انقلب عليها لاحقاً كشف عن بعض الخلافات، لا سيما ان الخلافات لا تبرز الا بعد الهزائم، وكانت نتيجة ذلك اقصاء وزير الخارجية ملا غوث الدين الذي أسرته قوات المعارضة وأفرجت عنه لاحقاً في نطاق صفقة سرية لم تكشف تفاصيلها، الا ان المعروف ان ذلك حصل بتدخل من الرئيس الافغاني السابق صبغة الله مجددي، ولا يُستبعد ان تقود هزيمة الحركة في الشمال الآن ايضاً الى مزيد من الخلافات الداخلية. وثمة من يتحدث عن وجود معسكرين، الأول يمثله زعيم الحركة ملا محمد عمر ويرفض الحوار مع قادة المجاهدين السابقين ويحظى بدعم باكستاني، والثاني معسكر ملا محمد رباني ويدعو الى الحوار على أساس ان الحركة لن تستطيع الوصول بمفردها الى اهدافها رئيس حكومة طالبان ملا محمد رباني ل "الوسط": غير مسموح للافغان العرب بنشاط من أراضينا أكد رئيس حركة طالبان الافغانية ملا محمد رباني ان بلاده لن تسمح لأي شخص أو جهة باستغلال أراضيها لتكون منطلقاً لنشاطاتها ضد الآخرين، وأضاف في مقابلة اختص بها "الوسط" في مكتبه في القصر الجمهوري وسط كابول ان ايران تتدخل بشكل سافر في الشؤون الداخلية الافغانية، وحذرها من انها "اذا لم تتوقف عن هذه السياسة فستتحمل العواقب الوخيمة المترتبة عليها". في ما يأتي مجمل الحوار الذي اجرته معه "الوسط": بعض معارضي الدول الاسلامية يقيمون على الأراضي الافغانية الخاضعة لسيطرة طالبان. ما هي سياستكم في هذا الشأن؟ - سياستنا في هذا المجال واضحة: لا نسمح لأحد باتخاذ الأراضي الافغانية منطلقاً لنشاطات ضد الآخرين، والذين يأتون الى هنا نستقبلهم ضيوفاً واخوة مهاجرين لكننا لا نسمح لهم بالنشاطات السياسية المناوئة لحكوماتهم. تتهمون ايران بالتدخل في الشؤون الافغانية. ماذا سيكون رد فعلكم ازاء استمرار هذا التدخل؟ - قلنا ونكرر ان ايران دولة مجاورة وعليها ان تراعي حق الجوار لكنها لم تراع ذلك وحينها ستكون هناك عواقب وخيمة مترتبة على مثل هذه السياسة وستتحمل ايران نتائجها. في هذا العصر الذي وصلنا فيه الى البث الفضائي والانترنيت وغيره من التطورات العلمية هل تستطيع حركة طالبان ان تعيش منعزلة عن العالم من دون تلفزيون ومن دون السماح للمرأة بالتعليم أو العمل؟ - ما نريده هو تطبيق الشريعة الاسلامية وقيام دولة اسلامية ونحن نستطيع ان نتمشى مع التطورات العلمية أما الامور التي حرمها الاسلام فسنتجنبها، وفي شأن تعليم المرأة فان التعليم الكفري والالحادي هو الذي ساد في السابق مما أفسد الجيل كله، وهذا ملاحظ في افغانستان، فقد كان نظام التعليم مختلطاً ونحن بحاجة الى موازنة ضخمة حتى ننشئ مدارس منفصلة للبنات والبنين، وحين يتقوى اقتصادنا فسنسمح للمرأة بالتعليم على الطريقة الاسلامية. لكن هذا يشير الى تعدد الآراء، لأن بعض العلماء في دول اخرى يجيزون تعليم المرأة ويفتون بجواز التلفزيون فكيف يستقيم هذا مع كون الاسلام واحداً وليس هناك اسلام عربي وآخر افغاني، ولا قندهاري وكابولي؟ - الاسلام واحد لا شك في هذا، ولكن لا بد من التدقيق بما أمر به الله ورسوله، فالقرآن قال بوضوح عن المرأة "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"، وهناك كثير من الآيات التي تحض المرأة على الجلوس في البيت، فكل ما أمر به الله أو رسوله سنطبقه من دون الالتفات الى الآخرين. هل تقبلون شخصيات المجاهدين السابقين أمثال برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار وعبد رب الرسول سياف وأحمد شاه مسعود في حكومتكم؟ - الذين ذكرت اسماءهم خانوا الشعب الافغاني وتقاتلوا في ما بينهم، والشعب لا يريدهم وهم لم يفوا بعهودهم ولا وعودهم، لقد جاء الغزاة الروس ونهبوا ثروات البلاد ثم جاء هؤلاء ليدمروا افغانستان.