يتذكر الجمهور الممثلة الفرنسية مارلين جوبير في فيلم "زوجان العام رقم 2" الى جوار جان بول بلموندو وفي "اللص" من إخراج لوي مال، ومع تشارلز برونسون في "مسافر تحت المطر"، وأفلام اخرى كثيرة فرنسية وايطالية وفي بعض الاحيان اميركية شهدها العالم وتعرف عبرها على هذه الفنانة الموهوبة والمرأة الجذابة. في العام 1980 تكلمت اجهزة الاعلام كثيراً عن مارلين جوبير بعدما انجبت طفلين توأمين وظهرت مارلين فوق أغلفة أكبر عدد ممكن من المجلات حاملة ابنتها ومبتسمة للتعبير عن سعادتها. كانت هذه المرة الوحيدة التي لمعت فيها مارلين جوبير لسبب غير فني. فهي عادة من النوع الذي يحمي الحياة الخاصة ويفضل ان تركز الاضواء على الناحية المهنية أولاً وأخيراً. وبقيت الصحافة تكتب عن مارلين وطفلتيها مدة طويلة الى ان وضعت النجمة الحد الفاصل بين حياتها الخاصة وشهرتها العامة. استقبلتنا مارلين جوبير في شقتها الفاخرة بالدائرة السادسة عشرة الباريسية وردت على أسئلة "الوسط" بلباقة السيدة الأربعينية والنجمة المرموقة التي تعرف الحياة والتعامل مع الغير على أكمل وجه. سألناها: ما هي مكانة فنانة أربعينية في السينما الفرنسية من حيث الادوار المطروحة الآن؟ - أنا مررت بفترة صعبة على الصعيد السينمائي، وبدأت الأحوال تتغير في الآونة الأخيرة اذ حصلت على عروض مغرية جداً وسأبدأ قريباً العمل في فيلم مهم وجميل طبقاً لما تبين لي من قراءة السيناريو. وعندما أقول فترة صعبة، أقصد كما ذكرت بوضوح، من الناحية السينمائية ولا شيء آخر. والحياة عندي لا تتوقف عند العمل السينمائي بل تتميز بألف نشاط في المجال الفني وخارجه. وعلى العموم ومن أجل الرد بالتحديد على سؤالك، سأقول ان السينما تقدم الادوار الى الممثلات الشابات اللاتي تتراوح أعمارهن بين العشرين والثلاثين، ثم مرة ثانية الى اللاتي تعدين سن الأربعين. والمسكينة التي تجد نفسها في المرحلة ما بين الفترتين تشعر بأن عمرها المهني انتهى. والشيء الأكثر صعوبة هو العثور على الشجاعة الكافية لتحمل الموقف، ولقبول الواقع دون فقدان الامل ودون التفكير في الاعتزال النهائي والسقوط في فخ الانهيار النفسي. هناك امكانيات ثانية تتاح امام الفنانة اذا ابدت استعدادها الذهني لقبول العروض غير السينمائية. أنا مثلاً عملت في اكثر من مسلسل تلفزيوني، ولم أنظر الى المسألة كأنها تحط من كرامتي بأي شكل. وكل ما حدث هو قيامي باختيار أدواري التلفزيونية مثلما اعتدت اختيار الادوار السينمائية. انا عملت في أفلام ومسلسلات للشاشة الصغيرة لا تقل جودة عن أفلام السينما. إنها طريقة تمارسها الممثلات في الولاياتالمتحدة الاميركية وبريطانيا بلا أي تردد وتسمح بالبقاء في المهنة وفي أذهان الجماهير. هناك ممثلات فرنسيات يرفضن هذا الواقع ويعتبرن ابتعادهن عن السينما كأمر محتوم يقضي على مستقبلهن الفني تماماً. وقد عثرت على اكثر من طريقة لحماية نفسي ضد مساوئ المهنة الفنية ومطباتها. أنا أم وهذا شيء يفوق السينما من حيث الاهمية. التلفزيون مهم ولكن... هل تعتبرين التلفزيون اذاً هو السبيل في مثل هذه الحالة؟ - ليس وحده. انه طريقة للاستمرار المهني بلا شك وهو لا يقدم اي ضمانات، وأنا عملت فيه مما لا يعني اني اعتبرته الحل المثالي لكل مشاكلي. انا عملت في المسرح، فهو لا يعرف مشكلة السن كما في السينما. وانشغلت اساساً بتأليف قصص للصغار وبأدائها فوق شرائط تسجيل واسطوانات تصطحب الكتب التي تروي هذه القصص. فالحكاية إذن مدونة في كتاب ومصحوبة برسومات تفسرها، ثم بشريط تسجيل أو أسطوانة يسرد القصة نفسها صوتياً. انا سجلت الكثير من هذه الحكايات بصوتي، وليس فقط تلك التي ألفتها شخصياً، فهناك اساطير وحكايات لمؤلفين معروفين سجلتها ايضاً بصوتي. وللرد على سؤالك في ما لو كان التلفزيون هو السبيل، أقول باختصار ان الحياة هي السبيل. حياتي الخاصة ليست للمجلات كيف وضعت الحد النهائي لتدخل الصحافة في حياتك الخاصة بعدما ظلت حكاية امومتك تحتل أغلفة المجلات فترة طويلة؟ - أنا كنت بريئة وساذجة الى حد ما. أقول ذلك وأنا على دراية تامة بمدى صعوبة إقناعي الناس بكلامي هذا لأن اهتمام الصحافة بأي فنان يجلب اليه المزيد من الدعاية والشهرة. أنا استفدت بلا شك من نشر صوري فوق أغلفة المجلات، لكني تخيلت ان المسألة سوف تتوقف بعد فترة ما، قصيرة او متوسطة المدى، وأقصد في ما يتعلق بحكاية الأمومة طبعاً، فأنا لا أمانع وجود صورتي في الصحف اذا كان التعليق الذي يصطحبها يخص عملي كممثلة. وطال الأمر فبدأت أدرك أبعاده واحتمال تأثر عائلتي به، وقررت رفض أي مقابلة صحافية لها علاقة بطفلتي، وإذا وافقت على مقابلة فنية امتنعت عن الرد على أي سؤال يمس حياتي العائلية. رفضت الوقوف امام عدسات المصورين، الا وحيدة من دون الطفلتين وتحولت الى أم ضارية تضحك تحمي صغارها وتتصرف بشراسة أمام كل من يحاول الاقتراب منهم. هكذا انهيت العلاقة بين الصحافة وحياتي الخاصة، واعترف الآن بأنه احسن شيء فعلته في حياتي اذ حميت ابنتي ضد مساوئ شهرتي. المزاج الشرقي أنت مولودة في الجزائر، فهل تعرفين العالم العربي جيداً؟ - أعرف المغرب العربي اكثر من مشرقه، فأنا مولودة في الجزائر كما ذكرت، إلا ان معرفتي لا تنتج حتماً عن كوني ولدت هناك. أنا غادرت الجزائر مع عائلتي في سن مبكرة جداً وكبرت في فرنسا. لكني احتفظت في نفسي بحب كبير وميل طبيعي الى كل ما يخص الحياة على الطريقة العربية. أنا أحب المزاج الشرقي وأعرف الكثير من العرب في باريس، فهناك جزء مهم من أصدقائي من أصل عربي. وانا عدت الى الجزائرمرات ومرات واعرف تونس جيداً، كما اكتشفت المغرب بفضل مشاركتي في فيلمين دار تصويرهما هناك. والذي حدث هو وقوعي في غرام هذا البلد الى درجة اني أعود اليه بشكل دوري الآن منذ عشرين سنة واعتبره موطني الثالث بعد الجزائروفرنسا. وبشأن معرفتي بالعالم العربي أقول اني أعرفه جغرافياً وجذرياً وأحبه. أنا أشعر بالانتماء اليه فكيف لا أحبه وأطمع في اكتشافه أكثر وأكثر مع مرور الايام. ما هي أحلى ذكرياتك السينمائية؟ - الذكريات كثيرة، منها الحلوة والأقل حلاوة. وأنا من نوع الناس الذي يقدر على محو كل السلبيات من ذاكرته بسهولة. أنت تسألني عن الذكريات الحلوة وأنا راضية عن السؤال، فلو كنت سألتني عن اسوأ الذكريات لوجدت صعوبة في الرد. لست محصنة أنا فعلاً أسأل عن أحلى الذكريات لكن كلامك يثير دهشتي في ما يخص السلبيات. ألا تعتقدين ان المرء يتعلم من تجاربه السلبية وان محوها من ذاكرته قد يؤدي الى السقوط في فخ التجارب نفسها مرات اخرى؟ - قد أبدو فعلاً سطحية في ما أقوله وربما إن كلامي ينقصه بعض الوضوح. أنا لا أنسى تجاربي السلبية فور وقوعها ودون ان أتأثر بها وإلا لكنت امرأة سطحية جداً. ان ما أقوله هو إني أحاول اتخاذ الموقف الايجابي أو بمعنى أصح الجانب الايجابي من كل موقف أعيشه. إنها سياسة أمارسها عامة في حياتي وتدفع بي الى الأمام. ولا يعني ذلك اني محصنة ضد الاشياء السلبية التي اعيشها. أنا أتألم وأعاني مثل غيري، وأتعلم من الحياة في كل يوم. إن تجاربي تترك آثارها في نفسي مهما كان نوعها. كل ما في الامر هو اني مع مرور الوقت اخزن السلبيات في مكان ما بعقلي وأرمي بمفتاح الخزانة بعيداً حتى لا أترك المجال أمام الحياة كي تعكر صفو مزاجي. وأفعل عكس ذلك مع الاشياء الايجابية، أي أتركها تسيطر علي وتدخل الفرحة الى قلبي كيفما شاءت. هل انا واضحة بما فيه الكفاية الآن؟ نعم، وعفواً لو كنت قطعت حبل أفكارك، فلنعد الى السؤال حول أحلى ذكرياتك السينمائية. ما رأيك؟ - أحلى ذكرياتي هي مثلاً عندما أديت دور امرأة مصابة بمرض السرطان ولا تترك هذا الشيء يهدم حياتها. إنها ايجابية حتى آخر لحظة ومليئة بالثقة تجاه الحياة والقدر. كان ذلك في فيلم عنوانه "الحب العاري"، وأنا تعلمت الكثير من وراء أدائي الدور، ليس كممثلة ولكن كامرأة. إن قوتي في الحياة لا تشبه قوة شخصية السيناريو لكني أحاول الاقتراب منها واعتبرها مثالاً للايجابية في حياتي. وتجربة اخرى اتذكرها هي التي عشتها عند تصوير فيلم "إذهب الى والدتك لأن والدك مشغول بعمله". وطبعاً يدل العنوان على جملة يقولها الأب الى إبنه كلما حاول الصبي الاقتراب منه ولفت انتباهه. أنا أكره عنوان الفيلم فهو لا يرمز الى عمق وجدية القصة التي تناولها السيناريو، لكن العمل في هذا الفيلم فتح شهيتي على الامومة، فأنا كنت أمثل دور الام، وحثني بجدية على التفكير في مشروع الانجاب. انها تجربة طريفة، وأقصد ان يكون الدور هو محرك مشاعري من ناحية الرغبة في الانجاب أليس كذلك؟ وهناك "الفرار" و"جولي" وهما الفيلمان المصوران في المغرب. ولولاهما لما اكتشفت حلاوة هذا البلد. إن مهنتي تدخلت بشكل مهم جداً في حياتي الشخصية وغيرت نظرتي الى بعض الأمور وسمحت لي باكتشاف غيرها.