ما هي حقيقة الحوار السوري - الاميركي في شأن لبنان وجنوبه في هذه الاجواء المتوترة؟ فبينما يصر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على انه "لا يمكن احد ان يوقف المقاومة ما دام الاحتلال مستمراً" تؤكد وزارة الخارجية الاميركية ان "الاولوية في اعادة الهدوء إلى المنطقة تمر عبر نزع سلاح حزب الله تنفيذاً لاتفاق الطائف" وتطالب "كل من له نفوذ على حزب الله بالتحرك". وعلى رغم ان المصادر السياسية في دمشق تؤكد ان الحوار الجدي بين دمشقوواشنطن حول لبنان ما زال مستمراً وانه لا يبدو ان هناك ضوءاً اخضر اميركياً لاسرائيل كي تقوم بعمل عسكري واسع يمس سورية. الا ان الخطر يكمن في احتمال فهم اسرائيل بعض المواقف الاميركية بأنها ضوء اخضر او غض طرف اميركي. ومن الواضح ان هناك اختلافاً - او خلافاً - بين نظرتي دمشقوواشنطن إلى تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف، فمطالبة الادارة الاميركية الحكومتين السورية واللبنانية بنزع سلاح حزب الله باعتباره احد الميليشيات التي يجب تجريدها من السلاح، حسب نصوص الطائف، يتناقض مع ما اقره اتفاق الطائفللبنان من حق المقاومة وضرورة العمل لتنفيذ القرار 425. كما ان اصرار واشنطن على اعادة انتشار القوات السورية خارج بيروت الكبرى، بغض النظر عن الاحتياجات الامنية اللبنانية والاوضاع الاقليمية - مثل استمرار الاحتلال الاسرائيلي للجنوب - يتناقض مع اقرار اتفاق الطائف بحق الحكومة اللبنانية في استدعاء القوات السورية للمساعدة في حفظ الامن في اي مكان في لبنان بعد ايلول سبتمبر المقبل، كما انه يتجاهل "معاهدة الاخوة اللبنانية السورية" التي تنص على مثل هذا التعاون الامني بين دمشقوبيروت. لكن الاهم ان هذه المطالبة الاميركية تتجاهل البند الذي يطالب اسرائيل بتنفيذ القرار 425، فلماذا الاصرار الاميركي على التزام سورية ولبنان ببعض بنود الطائف واغفال تهرب اسرائيل من تنفيذ التزاماتها؟ مصادر دمشق تستغرب دعوة الخارجية الاميركية "إلى كل الاطراف بضبط النفس لأنها تضع المعتدي والمعتدى عليه في الخانة نفسها ولا تعكس توازناً في الموقف الاميركي". اما عن الاتصالات التي اجرتها الخارجية الاميركية مع دمشق في هذا الشأن فانها "تظهر سوء قراءة الادارة الاميركية لبعض فقرات الطائف" خصوصاً في ما يتعلق بنزع سلاح المقاومة على حد قول مصادر دمشق. وقد ابلغت دمشقواشنطن رسمياً ان "المقاومة ليست ميليشيا ولا ينطبق عليها بند تجريد الميليشيات من السلاح المنصوص عليه في الطائف". ونقلت الديبلوماسية الأميركية إلى دمشق "انزعاجها" من الاعتداءات الاسرائيلية في الجنوب لكن دمشق لا تعتبر ذلك كافياً من دون ضغط حقيقي على اسرائيل، وهي غير مقتنعة بأن "مرحلة الانتخابات الاسرائيلية تمنع واشنطن من التدخل المباشر خوفاً من الظهور بمظهر الوقوف إلى جانب احد اطراف الانتخابات". وترى المصادر السورية ان الضغط الاسرائيلي له اوجه عدة منها "تقوية الاطراف اللبنانية التي ما زالت تأمل في تغير موازين القوى في المنطقة وتحجيم الدور السوري كي تقوم بضغط داخلي على الحكم اللبناني". واللافت ان واشنطن لم تحسم أمرها من عدد من القضايا تختلف فيها بعض هذه الاطراف مع دمشق مثل الانتخابات النيابية، بل وتقف علناً مع هذه الاطراف في مواقفها ازاء اعادة انتشار القوات السورية في ايلول سبتمبر المقبل والمقاومة الجنوبية. لكن الاعتقاد في دمشق ان الولاياتالمتحدة لم تتخل بعد عن عمليتها السلمية في المنطقة وبالتالي لم تعط الضوء الاخضر لاسرائيل لتوسيع اعمالها لتمس سورية او القوات السورية في لبنان. وإذا كان الحال كذلك فان العمليات الاسرائيلية ستبقى عقيمة لأنها لن تكون قادرة على تغيير الموقفين السوري واللبناني في المفاوضات الثنائية ومن المفاوضات المتعددة، ولن تكون كافية لتغيير موازين القوى الداخلية في لبنان لصالح دعاة تغيير المواقف في المفاوضات.