استعرت عنوان هذا المقال من مداخلة الصديق إقبال السريحي على ورقة الدكتورة لمياء باعشن"القص الماورائي : الانفلات النصي واختراق الجدار الرابع"التي ألقتها ضمن نشاط"جماعة جدة النقدية"، وقد اعتبرتُها تلخيصاً للفن الذي يفكر في طبيعته بما أنه فن مغرور. هل كانت الدكتورة لمياء تهدف إلى نقد الوعي الجمالي السائد بشكل عام في ساحتنا الثقافية؟ هل كانت تقصد بشكل خاص نقد الوعي الأدبي السائد عند مبدعينا ونقادنا"أظن ذلك، لأن ورقتها تتضمن نقدا غير مباشر لقصور أسس وعي نقادنا ومبدعينا الأدبي. تأخذ الدكتورة لمياء على نقادنا ومبدعينا- ضمنا وهي محقة- أنهم لم يتعمّقوا أبداً في الفن الذي يتأمل طبيعته الفن المعجب بنفسه ومن هنا لم يطرح أحد منهم السؤال: كيف يكون الفن قابلاً لأن يعرّف بطبيعته على أنه فن؟ أو كيف يكون الفن مبرراً بالفن ذاته؟ من هذا المنظور تلمس الورقة - وإن بشكل غير مباشر- مأساة وعينا الأدبي الراهن"فما توظفه الكتابة الميتاسردية التي عرضتها في ورقتها كتدخل الكاتب وتطفله والتعليق السافر، ومخاطبة المتلقي بشكل مباشر، ومشاركة المؤلف في الحدث السردي. أقول كل هذا الذي يميز الكتابة الميتاسردية هو أول ما يتجنبه المبدع السعودي باعتباره عيباً، وأول ما يشير إليه الناقد السعودي باعتباره كذلك، وأكثر من ذلك أن كثيراً من النقاد والمبدعين يعتقد بأن كتابة كتلك لا تنتمي إلى الفن إنما تنتمي إلى الفكر والنقد. وكوني أنجزت عملاً سردياً - لم يطبع بعد- وعرضته على بعض الأصدقاء من المبدعين والنقاد فأود أن أنقل انطباعاتهم ونصائحهم. لقد قال لي كل واحد منهم على حدة ما توظفه الكتابة الميتاسردية"كتدخلي المباشر في السرد، ومخاطبة المتلقي، ومشاركتي في الحدث، بل أحدهم قال لي:" تتدخل وتخاطب بشكل سمج وفاضح"، وأكثر من ذلك واعتبر هذا شنيعاً. حاولت أن أبرر كتابتي مستنداً إلى أعمال شعراء كبار كريلكة وإليوت وفاليري وبلانشو، فضلاً عن ساردين عظام كبورخيس وساباتو وكرتازار وميلان كونديرا الذين يستكشفون أنفسهم وهم يعبرون عن أفكارهم، ويتفحصون أدواتهم، ويكشفون طرائقهم الفنية المستعملة، لكن كل هذا لم يكن ليقنعهم حيث ينهون النقاش قائلين"اقتل الناقد داخلك وابرز الفنان". قبل هذا وفي عمل مطبوع"كنت قد أدخلت في رواية"الحسين"شخصية كدرجان في قصة أحمد السباعي خالتي كدرجان وكما هو معروف فإن توظيف شخصيات من أعمال أدبية أخرى وضمن المتخيّل اللسردي تقع ضمن هذا النوع من الكتابة"أعني الكتابة الميتاسردية. يتذكر من قرأ قصة"خالتي كدرجان"أنها تنتهي بأن تتحول"كدرجان"إلى مادة ثرية لنَمِّ النساء وسوالفهن"تحولت في آخر عمرها إلى عجوز متصابية عند بعض النساء، ولأنها كذلك فقد أصبحت مدعاة للرثاء عند نساء أخريات، ومدعاة للسخرية عند فئة ثالثة من النساء لأن من أراد أن يتزوجها لم يعد قط. وضمن المتخيل الروائي للرواية"الحسين"لم تكن"كدرجان"كما كانت عليه في قصة أحمد السباعي"إنما عاد خطيبها، وقد تزوجته، وقد حضر أحد شخصيات الرواية حفلة عرسها حزيناً"لأنه أحبها، لكن لظروف الحجاز التاريخية آنذاك جعلتها تفضل هجرة الحجاز إلى جزيرة جاوة مع زوجها. وقد قوبل هذا الإحضار لشخصية"كدرجان"عيباً في الرواية، وكان أول مأخذ كبير عليها، فكيف لي أن أستعير شخصية معروفة ومشهورة وأوظفها؟!. أعرف أنه من غير المناسب أن أقحم تجاربي الشخصية في مدخل هذا المقال، لكنها مناسبة لكي أبرر فكرتها، وأوضح بعض أفكاري الخاصة عن الوعي الأدبي عند كثير من نقادنا ومبدعينا، وهو الوعي البائس الذي أثارته ورقة الدكتورة لمياء باعشن. إن ما هو مهم جداً للنقاد والمبدعين يوجد بشكل ضمني في ورقة الدكتورة لمياء باعشن، وتوجد أفكارها الكبرى بكيفية محتجبة تحت تحليلها للقصة التي اختارتها للتحليل. سأتوقف هنا عند عدد من أفكارها الضمنية، لا تهمنا نحن أعضاء جماعة جدة النقدية فحسب، إنما تهم كل النقاد والمبدعين السعوديين، وأكثر من ذلك تهم أيضاً قرّاء الأدب النموذجيين. تكمن الفكرة الأولى في الأسئلة الآتية: لماذا تكون النظرية الأدبية أهم من العمل الأدبي الذي يتأمل طبيعته؟ لماذا تكون القصة أهم من الأفكار الأدبية التي تتضمنها القصة عن القصة؟ لماذا تكون الرواية أهم من الأفكار الأدبية التي تتضمنها الرواية عن الرواية؟ لماذا يكون الشعر أهم من الشعر الذي يتأمل الشعر؟ وهي أسئلة فيما أظن تساير توجه الأدب الحديث الذي ينحو في غالبه إلى يكون"قضية"للأفكار الأدبية من المبدع الذي يجب أن يحوز وعياً جمالياً، وأن يستفيد من اشتغاله بالإبداع في الإبداع. هناك فكرة أخرى ضمنية تبدو في التحول من الوسيلة إلى الهدف، ومن المشروع إلى غايته. وهو - فيما أرى - تحول ضروري، ونحن نتحدث - مثلاً - عن"تسونامي الرواية السعودية"، والكثرة الكاثرة التي تصدر سنوياً"ذلك أن الرواية ذاتها تحتاج فيما نسميه"الصحوة الروائية"إلى أن تنكب على طبيعتها لتتأملها، وأن تقارب الرواية طبيعتها بقصد تبرير كتابتها، لينشأ تبادل بين الأدب الذي يفكر في طبيعته، ومن ثم المبدع، وبين النقد الذي يتأمل الأدب، ومن ثم الناقد. تتعلق الفكرة الثالثة بالأفكار الأدبية المطابقة لذاتها، والتي تمتزج بالأدب من حيث هي تأمل بالأدب وفي الأدب. ومن هذه الزاوية تُعد الفكرة الأدبية عن الأدب وبالأدب أدبها الخاص الملائم والمناسب لها، وتجعل من الأدب وجودها الخاص. وكما هو معروف فإن فكرة كهذه تجد أحسن منطلقاتها الفلسفية عند هيجل الذي صهر الفكرة في الواقع. تتعلق الفكرة الرابعة بإمكانية أن يكون هناك ابتكار نقدي في النص الأدبي"أعني بهذا خطاب المبدع بخصوص إبداعه وبإبداعه. وما هو مهم هنا هو ألا يكون الابتكار النقدي أقل ابتكاراً وإبداعاً من الأدب نفسه، وألا يكون عائقاً لأدبيّة الأدب، وهو ما قد يشير ضمناً إلى أن الوعي الجمالي يمكن أن يكون أسمى من الإنجاز الجمالي ذاته. إذا ما تراكمت الأعمال الأدبية التي تتأمل طبيعتها، فسينشأ نقد"جديد"، وهو في طبيعته الأولى أقرب إلى"نقد الأفكار الأدبية"، وهو الفرع النقدي"الجديد"الذي دشنه المنظر الروماني إدريان مارينو في كتابه المهم"نقد الأفكار الأدبية"الذي لم يجد بعد صدى في النقد العربي الحديث على رغم أهميته الكبرى. * روائي وناقد سعودي.