وقف يحيى الزهراني 45 عاماً يتأمل الأيام القليلة المتبقية على العيد، ولسان حاله يقول:"عيد بأي حال عدت يا عيد"، فحارس المدرسة هذا لم يجد سوى الطريق يهذي له ببعض همومه، فطفلاه ينتظران ملابس العيد، واشترطا فيها أن تكون مثل ثياب طلاب المدرسة، التي يسكنون في ملحقها، لكن الوالد لا يجد من راتبه ما يسد هذه الحاجة، فهو يتقاضى 2200 ريال. ويحيى متزوج منذ خمسة أعوام، وقد رزق بطفلين فقط، إذ أصيبت زوجته بمرض في ظهرها، جعلها لا تتحمل الحمل، ما أفقده مولودين على التوالي، وزاد مخاوفه على زوجته فتوقفت عن الحمل، لعدم مقدرتها عليه، ولخوفه عليها وعلى أطفالهما، فهي تعاني آلاماً متكررة في الظهر، وهذا ما حول حلم بناء الأسرة الكبيرة إلى"ضرب من الجنون والخيال"على حد قوله. ولم يكتف المرض بزوجته، فانتقل ليختطف طفولة ابنه البكر سعدي، الذي لم يكن سعيداً كما يشير اسمه، فأصيب بتشنجات عصبية متكررة"تجعل من حياته كابوساً مخيفاً كل يوم"بحسب وصف الأب. ويقول:"هذا الطفل، الذي لم يحتفل بعامه الرابع، لعدم جدوى الاحتفال والمرض ينهش في جسده، ويحتاج لدواء مهدئ في شكل دائم". ويضيف"عيوننا تلاحقه دائماً وتلاحظ تحركاته، وهذا ما أثار غضبه في أكثر من مرة، إذ يضيق ذرعاً من المراقبة الدائمة، ويتمنى علينا أن نتركه ليعتمد على نفسه ويعيش حياته". وفجع يحيى قبل خمس سنوات بإصابة والدته في حادثة سير فور خروجها من المنزل، ما سبب لها كسراً مضاعفاً جعلها حبيسة الفراش من دون حركة في بيت خالٍ من كل شيء، إلا من عجوز تئن وتتألم. وعلى رغم محاولة يحيى إقناع والدته بالسكن معه في ملحق المدرسة، حتى لا تعيش بمفردها، وأيضاً من أجل رعايتها، إلا أنها رفضت ذلك، بحجة أنها لا تستطيع ترك جاراتها، اللاتي يزرنها من وقت لآخر. ويضيف"إيجار البيت الذي تتمسك به والدتي مرتفع، فنحن ندفع خمسة آلاف ريال من إعانة الضمان الاجتماعي"، وتبقى مصاريف الأدوية ومراجعة المستشفى حملاً ثقيلاً على حارس مدرسة ورب أسرة تحتاج إلى أشياء كثيرة على الدوام. ولا يخفي يحيى خوفه على والدته البعيدة عنه. ويقول:"أنا بين خيارين، أحلاهما مرٌ، فإما عائلتي ووظيفتي، وإما والدتي العاجزة، وكلاهما مهمان، ولكن ما العمل". واستسلم يحيى للألم ورضي به، لكن الألم لم يرض بيحيى، ففي يوم وفاة والده جاءه خبر ديونه كالصاعقة، فوالده يحمل ديناً قدره 116 ألف ريال، تحمل هذا الرجل المكافح عبء تسديده من جهده ووقته وعمله، وكل هذا على حساب أسرته المريضة. ولم يكن الزمان سعيداً بالنسبة له، ولم يكن مريحاً بقدر ما كان معاناة يرفض أن يقارنها بالصبر، بحجة أن الصبر عجز عن تحملها، لذا رفض يحيى أن يكون للأمل محل في قاموس حياته. ونفى أن يكون للأمل وجود مع وجود المعاناة الحقيقية، لكنه في النهاية استسلم لفكرة الكفاح في ملحق المدرسة.